في مساءٍ عدنيّ دافئ أُسدل الستار على فعاليات المهرجان الوطني الأول للعسل ليعود كل نحّالٍ إلى منحله وكل تاجرٍ إلى معرضه وكل باحثٍ ومهندسٍ إلى ميدان عمله لكنهم عادوا هذه المرة محمّلين بما هو أثمن من العسل ذاته تجربة ومعرفة وشبكة علاقات صنعتها أربعة أيام من العطاء والتلاقي
لم يكن هذا الختام مجرد نهاية فعالية بل كان بداية مرحلة جديدة عنوانها العمل وشعارها الإبداع والابتكار فقد عمّت الفائدة جميع المشاركين دون استثناء نحّال وتاجر ومستهلك وحتى الزائر العابر الذي خرج بصورة أعمق عن هذا الكنز اليمني الأصيل
ومن بين أروقة المهرجان تعالت أصوات الرضا والامتنان أحد تجار العسل لخّص المشهد بقوله الحمد لله على نجاح هذا المهرجان لم نحقق فقط زيادة في المبيعات بل كسبنا خبرة وتعارفنا وتبادلنا المعرفة مع نحّالين من مختلف المناطق كلمات تختصر روح الحدث حيث لم يكن البيع والشراء سوى جزء من حكاية أكبر حكاية التشبيك وتلاقح الأفكار
وكانت الندوات العلمية محطة فارقة إذ شارك فيها نخبة من الخبراء قدّموا معارف قيّمة عن مملكة النحل وفتحوا آفاقًا جديدة أمام المشاركين معلومات تُطرح لأول مرة وتجارب تُنقل بشكل مباشر لتؤكد أن العلم هو الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل هذا القطاع الحيوي
وفي قلب هذا الزخم برزت حكاية إنسانية جسّدت روح المهرجان بكل تفاصيلها ففي أحد الأجنحة جلس النحّال الأبيني عبود الحقيسي أحد كبار منتجي العسل الطبيعي خلف طاولته المتواضعة يعرض عبوات من عسل حمل في طيّاته تعب الجبال ونقاء الطبيعة وقد قدّم عينات للمسابقة وكانت إحدى عيناته من العينات الفائزة وحصل على جوائز تشجيعية
اقترب منه أحد الزوار وسأله هل هذا عسل سدر حقيقي ابتسم الحقيسي وقال تذوّق ودع لسانك وقلبك يجيبانك مدّ له ملعقة صغيرة وما إن تذوّق الشاب العسل حتى تغيّر تعبير وجهه وقال بدهشة هذا مختلف كأنه يحمل طعم الأرض نفسها ابتسم النحّال وقال لأنه جاء منها من وديان وجبال تعبنا فيها ومن نحل ربّيناه كأبنائنا
لم تكن تلك لحظة بيع عابرة بل لقاءً صادقًا بين الأصالة والبحث عن الجودة وقبل أن يغادر الشاب عاد واشترى أكثر من عبوة لا لحاجته فقط بل لأنه أراد أن يحمل معه شيئًا من تلك الحكاية
وفي نهاية اليوم لم يكن جناح عبود الحقيسي قد باع ما لديه فحسب بل كسب قلوبًا جديدة وترك أثرًا لا يُقاس بالأرقام بل يُقاس بما زرعه من ثقة وامتنان هكذا كان المهرجان حكايات تُروى وذكريات تبقى كطعم العسل الذي لا يُنسى
ماذا بعد المهرجان
سؤال يفرض نفسه بقوة والإجابة واضحة علينا جميعًا أن نحافظ على هذا الزخم وأن نحوّل ما سمعناه وتعلمناه إلى واقع عملي فالتواصل بين النحالين وتطبيق توصيات الندوات وتطوير أدوات العمل كلها خطوات ضرورية لصناعة مستقبل أكثر إشراقًا لقطاع العسل في البلاد
وفي هذا السياق لا بد من التقدير لقيادة وزارة الزراعة والري والثروة السمكية ممثلةً باللواء سالم عبدالله السقطري الذي كان حاضرًا بمتابعة دقيقة لكل تفاصيل المهرجان وحريصًا على إنجاحه كما تتعالى الدعوات لتنظيم معرض زراعي شامل يضم مختلف المنتجات الزراعية ليكون منصة وطنية متكاملة تدعم الأمن الغذائي
كما تؤكد التوصيات على أهمية دعم مشروع التعداد الزراعي لما له من دور محوري في تحديث قاعدة البيانات للقطاع الزراعي وعلى رأسه قطاع النحل باعتبار أن التخطيط السليم يبدأ من بيانات دقيقة تُجمع من الميدان
النحل سر الحياة وصمّام الأمان الغذائي
ليس مبالغة القول إن النحل أساس الحياة فهو المسؤول الأول عن تلقيح النباتات وهي عملية تزيد الإنتاج الزراعي بشكل علمي مؤكد ومن هنا فإن الحفاظ على النحل ليس خيارًا بل ضرورة وجودية
وإذا أردنا عسلًا وفيرًا فعلينا تشجيع النحالين على إكثار طرود النحل وتفعيل القوانين التي تحمي الغطاء النباتي وعلى رأسها منع قطع الأشجار الخضراء فالنحل والبيئة وجهان لعملة واحدة لا يزدهر أحدهما دون الآخر
رسالة واضحة لكل محافظة
ابدؤوا من الميدان ضعوا خططًا حقيقية وحدّثوا بياناتكم بأنفسكم وإن كانت الإمكانيات محدودة فإن إعادة توجيه الموارد المتاحة كفيل بإحداث فرق حقيقي في بناء قاعدة بيانات زراعية حديثة
شكر وتقدير
وفي ختام هذه الفعالية نتقدم بجزيل الشكر والتقدير للراعي الذهبي والداعم الرئيسي للمهرجان الوطني للعسل في عدن الذي كان لدعمه ورعايته أثر بالغ في تحقيق هذا النجاح لقد كانت رعايته شراكة حقيقية في صناعة الإنجاز وإيمانًا بقيمة العسل اليمني ومكانته
ختامًا
إذا كان العسل يُختتم به كل جميل فإن هذا المهرجان كان ختامه مسكًا بالفعل لكنه ليس نهاية بل بداية حكاية جديدة عنوانها وطن يزهر بالعسل ويُبنى بسواعد أبنائه
م عبدالقادر السميطي
عدن كريتر ساحة عدن مول
3 مايو 2026م