آخر تحديث :الأحد-03 مايو 2026-10:30م
أخبار وتقارير


في وطني يدفع المواطن ثمن غياب الوطنيين وتقصير التحالف

في وطني يدفع المواطن ثمن غياب الوطنيين وتقصير التحالف
الأحد - 03 مايو 2026 - 08:22 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

كتب/منصور الرعيني:

في ظل ما يعيشه اليمن من تعقيدات سياسية واقتصادية وإنسانية، بات المواطن هو الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن تداخل الأزمات وتعدد أطرافها، من غياب المشروع الوطني الجامع إلى تقصير الحلفاء، مروراً بتفاقم الفوضى الإدارية والاقتصادية التي فتحت الباب أمام مزيد من الانهيار.

لم يعد السؤال في الشارع اليمني: متى تنتهي الحرب؟ بل تحول إلى سؤال أكثر إيلاماً: هل بقي في البلاد وطنيون فعلاً؟ وهو سؤال يعكس حجم الإحباط الذي يعيشه المواطن، وهو يرى وطنه يتآكل من الداخل، ليس فقط بفعل الصراع الخارجي، بل نتيجة فراغ قيادي ووطني يزداد اتساعاً يوماً بعد آخر.

في مدينة عدن، التي توصف بالعاصمة المؤقتة، أصبحت مظاهر الانهيار مشهداً يومياً لا يمكن تجاهله؛ انقطاع متكرر للكهرباء لساعات طويلة، تأخر صرف الرواتب لأشهر، ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، تلوث مياه الشرب، وتدهور في البنية التحتية وصولاً إلى انهيار بعض المباني السكنية. هذه الأوضاع لم تعد استثناءً طارئاً، بل تحولت إلى واقع مستمر يعكس أزمة إدارة وغياب مؤسسات الدولة، حيث يرى مراقبون أن المشكلة لا تكمن في شح الموارد فقط، بل في غياب الإرادة الوطنية والقدرة على الإدارة الرشيدة.

وعلى صعيد الدور الإقليمي، كان اليمنيون يعلّقون آمالاً كبيرة على تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، باعتباره فرصة لإعادة الاستقرار وإطلاق مسار التنمية. غير أن الواقع لم يلبِّ تلك التطلعات، إذ لم تُترجم هذه التدخلات إلى مشاريع إعمار حقيقية أو تحسين ملموس في الخدمات الأساسية، كما لم يتم استئناف تصدير النفط والغاز بالشكل الذي ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني، إضافة إلى استمرار الاختلالات في إدارة المؤسسات وغياب المعايير المهنية في اختيار المسؤولين، ما عزز منطق المحاصصة والولاءات على حساب الكفاءة.

هذا الفراغ السياسي، الناتج عن غياب مشروع وطني جامع وتراجع فاعلية الحلفاء في دعم مسار البناء، أدى إلى تحول المشهد إلى ساحة مفتوحة أمام المكونات السياسية وسلطات الأمر الواقع، حيث تتعدد مراكز النفوذ وتضعف الدولة المركزية أكثر فأكثر.

ومن أبرز مظاهر هذا التدهور انتشار الجبايات غير القانونية في الأسواق والشوارع، حيث تُفرض على الباعة وأصحاب المحلات الصغيرة مبالغ يومية تحت مسميات مختلفة، في ظل عجز واضح عن فرض سلطة القانون. هذه الممارسات لا تمثل عبئاً اقتصادياً فقط، بل تمس كرامة المواطن وتكرّس حالة من الإحباط وفقدان الثقة بالمؤسسات.

وعند قراءة الواقع بالأرقام، تتجلى صورة أكثر قسوة:

قطاع الخدمات يعيش منذ سنوات تحت وعود متكررة بالإصلاح دون نتائج ملموسة، فيما تستمر أزمة الكهرباء بشكل يومي.

مئات الآلاف من الموظفين يعانون من تأخر أو انقطاع الرواتب، مقابل تقارير عن اختلالات مالية وتحويلات خارجية مثيرة للجدل.

الاقتصاد يواجه انهياراً متواصلاً في قيمة العملة المحلية مع توقف شبه كامل لقطاعات إنتاجية حيوية.

الجبايات المفروضة في الأسواق تتم بشكل علني دون رقابة أو محاسبة فعالة.

هذه المؤشرات مجتمعة لا تعكس مجرد أزمة موارد، بل أزمة إدارة وضمير وطني، وغياب دولة القانون التي يفترض أن تحمي المواطن لا أن تتركه فريسة للفوضى.

إن الوطنية ليست شعارات تُرفع في المناسبات، ولا خطابات تُلقى في المحافل، بل هي التزام حقيقي تجاه الإنسان والأرض. هي أن يشعر المسؤول بمعاناة المواطن، وأن تُبنى السياسات على أساس العدالة والكفاءة لا على أساس المصالح الضيقة.

اليوم، لا يعاني الوطن من قلة الزعماء أو المكونات السياسية بقدر ما يعاني من غياب الوطنيين الحقيقيين، الذين يضعون مصلحة البلاد فوق كل اعتبار. وعندما يغيب هذا الدور، ويتراجع الدعم التنموي الحقيقي، يتقدم تجار الحروب والأزمات ليملأوا الفراغ، فيتحول الوطن إلى ساحة استنزاف مستمرة.

ويبقى السؤال الأهم: هل يدرك الفاعلون في المشهد اليمني أن التاريخ لا يرحم، وأن الشعوب قد تصبر على الجوع والحرمان، لكنها لا تصبر على ضياع الكرامة والوطن؟