آخر تحديث :الأحد-03 مايو 2026-01:44ص

همس اليراع: آخر الداخلين… أول الخارجين

الأحد - 03 مايو 2026 - الساعة 12:32 ص

د.عيدروس نصر ناصر
بقلم: د.عيدروس نصر ناصر
- ارشيف الكاتب

في النصف الأول من مايو عام 2023م، شهدت العاصمة عدن انعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي، الذي تمخّض عن مخرجين أساسيين:

الأول: التوقيع على اتفاق سياسي شمل أكثر من 35 مكوّنًا وهيئةً وفعاليةً سياسية، وانخراط الموقعين جميعًا في إطار بنية المجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته وتكويناته القيادية والمحلية.

والثاني: إقرار ميثاق العمل الوطني الجنوبي، الذي اعتبره كثيرون اتفاق مبادئ بين هذه التكوينات السياسية الجنوبية بشأن الهدف الأساسي الذي يناضل من أجله الشعب الجنوبي منذ عام 1994م. وكان قادة معظم تلك المكونات هم آخر الداخلين إلى هيئات المجلس الانتقالي الجنوبي القيادية.

وبعد الهجمة الشرسة ومحاولات الحل التي تعرّض لها المجلس الانتقالي الجنوبي منذ مطلع يناير من هذا العام، سارع بعض هؤلاء الملتحقين أخيرًا بقيادة المجلس إلى التبرؤ منه، ليكونوا أول الخارجين منه.

قد لا يكون معيبًا أن يُجري هذا السياسي أو ذاك مراجعةً سياسية وفكرية في ظروف طبيعية، فيقوم بعدها بتعديل أو تصويب، أو حتى استبدال كامل لمواقفه السياسية إزاء هذه القضية أو تلك، أو هذا الكيان السياسي أو ذاك. لكن حينما تكون هذه المراجعة، أو ذلك الاستبدال للموقف، أو الانسحاب من طرفٍ سياسيٍ يواجه حرب الشيطنة والتخوين ومحاولات المحو من الوجود — وهي حرب مبنية على أسس باطلة وزائفة كما يعلم الجميع — فإن هذا الانسحاب أو التبدل في الموقف السياسي لا يمكن تفسيره إلا على أنه هروب من استحقاقات المواجهة مع التحديات الجديدة التي لم تكن بحسبان أحد.

والأدهى من ذلك أن لا يكتفي بعض المنسحبين بالخروج الصامت، بل ينتقل من خانة العضو الفاعل، المفيد والمستفيد، إلى خانة الخصم السياسي المجاهر بعدائيته للكيان الذي كان جزءًا من تكوينه وفعالياته وسياساته، والاستثمار فيه؛ وهو ما يطرح من الأسئلة أكثر مما يقدم من التفسيرات والإجابات.

نعم، لم يكن المجلس الانتقالي حالةً ملائكية، وهذا ما قلناه عشرات المرات. فلدى المجلس من العيوب بعض ما لدى كثير من القوى السياسية اليمنية، وإن كانت تلك العيوب لا تساوي 10% مما لدى ناهبي الثروات، ومغتصبي المنشآت، والمتقاسمين لشواطئ الاصطياد، والمساحات الزراعية، ومزارع الدولة والتعاونيات، والعابثين بالقروض والهبات والإعانات.

ومع ذلك، سيكون من حقنا أن نسائل المجلس الانتقالي عن كل سلبياته، وأن ننتقده، وأن نطالبه بتصحيح وضعه، لكن في الظروف الطبيعية. أما حينما يأتي كل هذا والمجلس الانتقالي عرضة للطعنات المتعددة، فإن ذلك يؤكد أن ثقافة إدانة المهزوم والطعن في الطرف الأضعف في معركة عبثية ما تزال تحتل مساحة غالبة في وعي بعض النخب السياسية متقلبة المزاج.

وما يثير الأسف والاستياء، بل والشفقة، على الذين يسلكون هذا السلوك أنهم يعتقدون أنهم — بسلوكهم هذا — قد تحولوا إلى ملائكة من خلال شيطنتهم للانتقالي، وأنهم سيملأون الفراغ الذي يظنون أن المجلس سيتركه بعد انسحابهم منه، وإقامتهم كرنفالات الشتيمة والتجريح ضده.

إن التشهير بالمجلس الانتقالي الجنوبي، والحديث عن ظواهر الفساد فيه، لن يضيف شيئًا فوق كل ما قيل عن هذه القضايا من قبل الإعلام المعادي، وحتى بعض المتعاطفين مع المجلس. لكن السؤال يظل: أين كان هؤلاء حينما اكتشفوا كل تلك "الملفات" التي يتحدثون عنها اليوم باستمتاع شديد ومكشوف؟

والحقيقة أن تستر هؤلاء على ما يسمونه بالملفات يكشف أحد أمرين:

إما أنهم كانوا شركاء في هذه الملفات، وبالتالي فإن كشفهم لها أو تسترهم عليها لا يغيران شيئًا في الأمر.

أو أنهم لم يمتلكوا من الشجاعة ما يجعلهم يكشفون هذه الملفات ويعرّون أصحابها في وقتها، وادّخروها إلى وقت الحاجة؛ وبالتالي فإن شهادتهم لا يمكن الاعتداد بها، لأن وراءها أغراضًا غير أمينة ولا نزيهة.

ولله عاقبة الأمور.