بقلم / الدكتور نعيم الحيد
ما يحدث في اليمن لم يعد مجرد “تدخل إقليمي” يمكن تبريره بلغة السياسة التقليدية، بل هو نموذج واضح لإدارة بلد كامل كملف نفوذ، تُحدد مساراته وفق مصالح خارجية لا علاقة لها بكرامة الإنسان اليمني ولا بمستقبله.
السعودية والإمارات، بوصفهما الفاعلين الأبرز، لم تتعاملا مع اليمن كدولة ذات سيادة، بل كساحة مفتوحة لإعادة ترتيب التوازنات. دعم أطراف بعينها، إضعاف أطراف أخرى، إعادة تدوير القوى، وفتح قنوات مع الخصوم كل ذلك لم يكن ارتجالًا، بل سياسة ممنهجة لإبقاء اليمن في حالة لا استقرار مُدار، لا يُحسم فيه صراع ولا تُبنى فيه دولة.
المفارقة الفجة التي يعيشها اليمني اليوم تكشف جوهر هذه العلاقة المختلة: مواطن لا يستطيع عبور “ترانزيت” في مطارات السعودية، بينما تُدار سماء بلاده وموانئها وقراراتها السيادية بتأثير مباشر من عاصمة هذا الدولة .
فهذه ليست مسألة إجراءات أو سياسات حدودية، بل تعبير صريح عن اختلال ميزان القوة، حيث تتحول السيادة إلى مفهوم نظري لا وجود له على أرض الواقع.
على المستوى السياسي، لا يمكن تجاهل أن ما يجري هو أقرب إلى “تقسيم وظيفي” للنفوذ. تفاهمات غير معلنة، وأحيانًا معلنة، تُعيد رسم الخريطة اليمنية عبر أدوات محلية. في لحظة ما، يُفتح خط مع الحوثي، وفي لحظة أخرى محاولة باعادة ترتيب أوراق الجنوب، وبينهما تُترك البلاد في حالة إنهاك دائم. النتيجة ليست صدفة: يمن ضعيف جنوبا وقبلهُ الشمال، متعدد المراكز، عاجز عن إنتاج قرار مستقل.....
لكن تحميل الخارج وحده المسؤولية هو قراءة ناقصة. الأزمة الحقيقية أن الداخل وفّر البيئة المثالية لهذا الشكل من الهيمنة. قيادات بلا مشروع، بلا استقلالية، وبلا قدرة على فرض إرادة وطنية. كثير منها تحوّل من ممثل للشعب إلى وسيط بينه وبين الخارج، يتلقى التوجيه أكثر مما يصنع القرار.
وفي هذا السياق، يبرز تحول مهم بعد تراجع الدور الإماراتي في مفاصل الملف اليمني ، حيث برزت السعودية كفاعل أكثر انفرادًا بإدارة المشهد. وهنا يفرض السؤال نفسه بوضوح:
ماذا قدّمت السعودية فعليًا خلال هذا المرحلة "قرابة" الاربعة الأشهر الماضية ؟
الواقع يشير إلى أن المسار لم يتجه نحو بناء مؤسسات دولة أو تمكين حقيقي للقوى المحلية، بل نحو إحكام السيطرة على المجالين السياسي والإعلامي، خصوصًا تجاه الأصوات المؤثرة في الجنوب. تضييق متزايد على الفاعلين، وإعادة تشكيل لمساحات التأثير بحيث تُفتح لمن ينسجم مع الرؤية السعودية وتُغلق أمام من لا يدور في فلكها.....
في المقابل، برزت سياسات تُفهم على أنها إعادة ضبط لموازين القوة عبر إضعاف تشكيلات عسكرية وأمنية نشأت خلال السنوات الماضية، وتقليص نفوذ قوى لا تُصنّف ضمن دائرة الولاء. هذا المسار لا يوحي برغبة في تمكين شريك وطني، بقدر ما يعكس توجّهًا لإدارة أطراف متنافسة ضمن سقف محدد، بحيث يبقى القرار النهائي خارج اليمن..
وهنا يتجاوز الأمر السياسة إلى بُعد أخلاقي لا يمكن تجاهله: هل تُدرك هذه السياسات أن كرامة المواطن لا تقل عن كرامة أي مواطن في بلد آخر؟ حين يُختزل بلد بأكمله في ملف أمني أو ورقة تفاوض، وحين يُضيّق على الإنسان في حركته وقراره، فإن الرسالة لا تكون سياسية فقط، بل إنسانية أيضًا رسالة مفادها أن السيادة والكرامة يمكن تأجيلهما إلى أجل غير مسمى.
وإذا كان الدافع هو الخشية تشكيل قوي عسكرية لها مستقبلا ، فإن هذه المقاربة تحمل تناقضًا عميقًا. فمحاولة احتواء البلد عبر إضعافه، أو عبر السيطرة على قراره، لا تؤدي إلى الاستقرار، بل تُبقيه في دائرة الهشاشة التي تُنتج أزمات مستمرة. كما أن أي سعي للاستفادة من موقعه أو موارده دون تمكين أهله من إدارتها بشكل عادل، سيظل عامل توتر دائم، لا أساسًا لشراكة مستقرة.
أما الخطاب الذي يروّج لفكرة “الخلاف” بين القوى الإقليمية، فهو في كثير من الأحيان مبالغ فيه أو سطحي. قد تختلف الأدوات، وقد تتباين الأولويات، لكن في العمق هناك التقاء على مبدأ أساسي: منع قيام وطن قوي مستقل قادر على إدارة نفسه خارج مظلة النفوذ.
التاريخ القريب يدعم هذا الطرح. من إضعاف مراكز القوة، إلى تغذية التناقضات الداخلية، إلى إعادة تشكيل التحالفات بحسب الظرف—كلها حلقات في مسار واحد لم يتوقف: إبقاء اليمن في حالة اعتماد دائم على الخارج.
في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن دولة يمنية ذات سيادة دون مراجعة جذرية للعلاقة مع هذه القوى حديثًا أقرب إلى التمني منه إلى السياسة. لا يمكن بناء وطن يُحترم فيه المواطن، بينما القرار الحقيقي يُصاغ خارج حدوده، ولا يمكن إنتاج قيادة وطنية مستقلة في بيئة تعتمد في بقائها على دعم خارجي مشروط.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: هل المشكلة في الخارج فقط، أم في قابلية الداخل لأن يُدار بهذه الطريقة؟
الإجابة، مهما كانت قاسية، تبدأ من هنا. فالدول لا تُستعاد بالخطاب، بل بإعادة بناء إرادة سياسية حقيقية، قادرة على كسر معادلة التبعية، ووضع مصلحة اليمن فوق أي حسابات أخرى.
-