بقلم / مروان الشاطري
بين أزقة محافظة أبين المنهكة وطرقاتها التي ترقب الأمل، انبثق فجر جديد يحمل ملامح الأستاذة الفاضلة هدى اليافعي "أم هاني السعدي" تلك المرأة التي لم تكن مجرد عابرة سبيل في مضمار العمل الإنساني بل كانت زلزالاً هز أركان اليأس وبركاناً من الإصرار فجّر ينابيع الخير في أرض ظن البعض أنها أجدبت، وهي في ذلك لم تأتِ من فراغ بل استمدت شموخها من جذورها الضاربة في أعماق التاريخ،
وهذا ليس غريبا عن قبيلة يافع المدد و الجود والكرم وأصحاب الأيادي البيضاء على مر العصور أولئك الذين هم نسل ملوك حمير وسادة الأمجاد وشيوخ القمم الشامخة بأصولها العريقة،
فقد مضت هذه الروح الطاهرة بكل ثقة لتكسر تلك القيود الوهمية التي كبلت الكثيرين خلف جدران الخوف والعجز لتصنع من عزيمتها الحميرية جسراً يعبر عليه المتعبون نحو ضفاف الكرامة والتنمية،
فلم تكتفِ بالتعاطف الصامت بل جعلت من حضورها ميدانياً ملحمة إنسانية كبرى ووضعت مداميك مشاريع تنموية وخيرية لم تكن مجرد أرقام في سجلات بل كانت نبضاً حياً وصل أثره إلى كل بيت سكنه الفقر وإلى كل قلب أرملة أضناها الفقد وإلى كل عين يتيم كانت تبحث عن حنان مفقود وسند ممدود،
إنها الرائدة التي أثبتت للعالم أن القوة الحقيقية تكمن في ذلك المزيج الفريد بين رقة القلب وصلابة الموقف حيث تجسدت فيها أسمى قيم الحشمة والوقار والالتزام بتعاليم ديننا الحنيف الذي اتخذته منطلقاً لكل خطوة تخطوها،
فغدت بجلبابها الطاهرة ووقارها المهيب داعية إلى الله بالحال قبل المقال ومثالاً حياً للمرأة التي لا تزيدها مكانتها إلا تواضعاً وقرباً من البسطاء متمثلةً شيم أجدادها في إكرام الضيف وإغاثة الملهوف،
ولم يقف طموحها عند إطعام الجائع وكسوة العاري بل خاضت أشرف المعارك في حماية عقول الشباب وصيانة المجتمع من الآفات الفتاكة والمخدرات التي تنهش في جسد الوطن حيث وقفت شامخة كجبال يافع الصماء في وجه نبتة القات الخبيثة داعية إلى اقتلاع جذورها من النفوس قبل الحقول لتفسح المجال لغرس بذور البناء والعمل.
إن الحديث عن "أم هاني السعدي" هو حديث عن الانبعاث من وسط الركام وعن تلك اليد البيضاء التي ورثت السخاء كابراً عن كابر وعن القلب الذي اتسع لأوجاع أبين كلها فاستحق أن يتربع على عرش المحبة والتقدير كأيقونة خالدة تلهم الأجيال أن إرادة الخير لا تقهر وأن من كان نسله من ملوك التاريخ لا يرضى لواقع أمته إلا أن يكون في مصاف العزة والرفعة.