الانقسام ليس ثغرة تُعدّ شهادة وفاة، لكنه يُستغل. ورغم أنه لا يُنهي القضية، فإنه يضع عوائق في طريق انطلاقها، وقد يؤدي إلى الانزلاق نحو معارك جانبية بين أصحاب الهدف الواحد، مهما اختلفت أدواتهم. وهذا النوع من الخلاف ليس خلافاً طبيعياً فحسب، بل يُعد ثغرة استراتيجية يترقبها خصوم القضية الجنوبية.
فـ“اليمننة السياسية والحزبية” تراهن على تآكل الجبهة الداخلية، إذ إن الهدف هو العبور من شقوقها. والدليل:
أولاً:
كل انشقاق جنوبي تحوّل إلى جسر عبور لمشروع اليمننة. فبعد أحداث يناير 1986 دخلت صنعاء على خط “لملمة الصف”، وانتهى الأمر بوحدة 1990 بشروطها. وبعد صراع 1994 تم توظيف الانقسام لتثبيت نتائج الحرب. ورغم أن الانقسام لا يُسقط القضية، فإنه يمنح الخصم فرصة لتقديم نفسه كـ“منقذ”.
ثانياً:
وقع زلزال سياسي عقب أحداث سيئون، فسارعت أطراف يمنية إلى تصويره على أنه “تفكيك للقضية”. وتم ضخ بيانات وتصوير أي مبادرة تهدئة أو قراءة مختلفة على أنها “تفريط”. وهذا ليس تحليلاً بقدر ما هو توظيف لحظي للانقسام. ولو كان الانقسام يُنهي القضية، لكان قد أنهى كل شيء منذ عام 2015 أو قبل ذلك، لكنها قضية أعمق من الأفراد والمكونات.
ثالثاً:
خطاب “اليمننة” لا يناقش برامج سياسية للقضية الجنوبية، بل يراهن على انهيارها من الداخل. وشعارهم الضمني: “دعهم يتصارعون على تعريف الخيانة، ونحن نرسم الخريطة”. وكل ساعة تُهدر في صراعات داخلية تقابلها ساعة عمل في مشروع دمج الجنوب ضمن رؤيتهم.
لذلك، فإن ربط الانزلاق نحو المعارك الجانبية بـ“اليمننة” ليس اتهاماً، بل هو محاولة تحصين، وقطع للطريق على من يقرأ أي تباين جنوبي على أنه “شهادة وفاة” للقضية. فالقضية وُجدت قبل أي إطار سياسي في 2007، واستمرت معه، وهي أبقى من كل الأطر، لأنها قضية شعب لا قضية تنظيم.
المطلوب ليس إنكار الخلاف، بل منعه من التحول إلى رصيد مجاني في بنك الخصوم.