كتب/خلدون بن معيلي:
لا تبدو تلك الكيانات الصغيرة التي تحاول هذه الأيام اقتناص اللحظة واغتنام مرحلةٍ هشة، جديرةً بالقلق أو حتى الالتفات؛ فهي في حقيقتها عابرةٌ موسمية، لا تملك من مقومات البقاء سوى أوهامٍ سرعان ما تتلاشى مع أول اختبارٍ حقيقي. كما أنها لا تصمد أمام استحقاقات الشرعية أو القبول الشعبي، وتفتقر لأي حضور فاعل في المحافل الدولية، أو قوة تُذكر على الأرض.
وفي كفةٍ أخرى من ميزان المشهد، يبرز المجلس الانتقالي الجنوبي بكل ثقله الشعبي على أرض الواقع، كحضورٍ لا يكتفي بالظهور، بل يفرض إيقاعه على المشهد السياسي؛ كأنه كتلة صلبة وسط سيولة عارمة. ولم يأتِ هذا الحضور من فراغ، ولم يُبنَ على مصالح عابرة، بل تشكّل من تراكم نضالي ورصيدٍ شعبي، يمنحه هيبة الوطن، ويكسوه بملامح السيادة التي يسعى الكثيرون لارتدائها دون امتلاك مقوماتها.
لقد رأيناه يرتكز على قاعدةٍ شعبية تمنحه شرعية المعنى قبل الشكل، وعلى نفوذٍ متشعب يتغلغل في تفاصيل الواقع، مدعوماً بأدوات قوةٍ لا تُرى كلها، لكنها تُلمس في مآلات الأحداث وتحوّلاتها.
وهنا تتضح الصورة أكثر؛ حيث تتكاثر الكيانات الهشة كأصداءٍ متلاشية، ويعلو صوت التنظيم بوصفه الفارق الحاسم بين من **يقول** ومن **يفعل**. فالمشهد لم يعد مسرحاً للشعارات بقدر ما هو اختبارٌ قاسٍ للاستمرار. وبينما تتلاشى بعض التشكيلات مع أول ارتطامٍ بجدار الواقع، يرسخ من يمتلك جذوراً أعمق، كأنما الزمن نفسه ينحاز لمن يعرف كيف يصمد في مواجهته.
إن الحضور الحقيقي لا يُقاس بعلو الصوت، بل بامتداد الأثر؛ ولا يُختبر بكثرة الظهور، بل بقدرة البقاء. وهنا تحديداً تتكشف المفارقة: بين كيانٍ يعيش على وهج اللحظة، وآخر يصوغ لنفسه زمناً خاصاً، يرسم فيه معايير القوة ويعيد تعريفها.
وفي النهاية، لا يبقى في المشهد إلا ما يثبت قدرته على الاستمرار، أما الضجيج العابر فمصيره أن يخفت، مهما علا صوته في البداية.