لطالما ترسّخت في أذهاننا منذ سنوات الطفولة الأولى صورةٌ مثالية للصداقة صورةٌ نقيّة تقوم على العطاء غير المشروط والتضحية دون انتظار مقابل والوقوف إلى جانب الصديق في كل الظروف كبرنا ونحن نردد بكل ثقة وبراءة عبارة “الصديق وقت الضيق” كنا نؤمن بها إيمانًا كبيرًا ونظن أن كل من نمنحه هذا اللقب سيبقى حاضرًا حين تضيق بنا الأيام وتشتد الأزمات لكن مع مرور السنوات ومع احتكاكنا بواقع الحياة وتعقيداتها بدأ هذا المفهوم المثالي يتعرض لاختبارات قاسية واكتشفنا أن ما كنا نظنه حقيقة مطلقة لم يكن في كثير من الأحيان سوى عبارات جميلة تُقال لكنها لا تُمارس كما ينبغي وتبيّن لنا أن بعض العلاقات التي حملت اسم “الصداقة” لم تكن سوى وسائل مؤقتة لتحقيق مصالح أو سلالم يعبر عليها البعض للوصول إلى أهدافهم حتى وإن كان ذلك على حساب من وثق بهم ومنحهم صدق المشاعر
ومع اتساع التجربة تغيّر معنى العبارة التي طالما رددناها فلم يعد “الصديق وقت الضيق” قاعدة ثابتة كما كنا نعتقد بل بدا في واقع بعض العلاقات وكأنه “الصديق وقت المصلحة” فهناك من يحضر حين تكون الفائدة قائمة ويغيب حين تنتهي وكأن الرابط لم يكن يومًا مبنيًا على الوفاء بل على حسابات مؤقتة وعند أول اختبار حقيقي حيث كنا ننتظر أن تتجسد معاني الصداقة لم نجد إلا الغياب أو الأعذار أو صمتًا يكشف حقيقة تلك العلاقات
وهنا تبدأ الصدمة الحقيقية صدمة إعادة تعريف المفاهيم وإعادة تقييم الأشخاص وإعادة النظر في كل ما كنا نعتقده ثابتًا وندرك حينها أن المشكلة لم تكن في القيم ذاتها التي آمنا بها بل فيمن أسأنا منحهم ثقة لا يستحقونها وفي أننا نظرنا إلى الصداقة بعيون حالمة أكثر مما يحتمله الواقع
ورغم قسوة هذه التجارب إلا أنها تحمل دروسًا عميقة فهي تعلّمنا أن الصداقة ليست بكثرة اللقاءات ولا بطول السنين بل بصدق المواقف وتكشف لنا أن ليس كل من اقترب منا يستحق أن يكون صديقًا وأن الاختيار لم يعد ترفًا كما كنا نظن بل ضرورة تفرضها طبيعة الحياة ونحن اليوم أمام حاجة ملحّة لإعادة النظر في معاييرنا عند اختيار الأصدقاء فلم يعد كافيًا أن ننجذب إلى الكلمات المعسولة أو المظاهر الودّية بل يجب أن نبحث عن الصدق والثبات والوفاء في أوقات الشدّة قبل الرخاء فالصديق الحقيقي لا يُعرف في لحظات الفرح بل يُعرف حين تضيق الدوائر وتتكشف النوايا
وفي نهاية المطاف تبقى الصداقة قيمة عظيمة لا تفقد معناها بسبب تصرفات البعض لكنها تحتاج إلى وعي أعمق واختيار أدق وحدود تحفظها من الاستغلال فليس كل من رافقنا صديقًا وليس كل من ابتسم لنا صادقًا ولكن القليل الصادق يكفي ليمنح الحياة معناها الحقيقي ولعل ذلك القليل هو وحده من يستحق أن يُقال عنه حقًا الصديق وقت الضيق
ودمتم سالمين