قال الحميد بن منصور:
"الحَب كله تنابيت، غير المواسم لها أحلال"
وهي حكمة زراعية عميقة تختصر علمًا كاملًا في عبارة واحدة؛ فالمشكلة ليست في البذور، بل في توقيت زراعتها.
شهر رمضان مبارك على الجميع في كل ربوع وطننا الغالي…
ورسالتي اليوم إلى كل مزارعي اليمن شمالًا وجنوبًا شرقًا وغربًا عامةً، وإلى مزارعي دلتا أبين خاصةً…
ما نشهده اليوم يدعو للقلق؛ فقد أصبحت الزراعة عند البعض عملاً عشوائيًا بلا التزام بالمواعيد الزراعية أو بالممارسات الفنية السليمة، وكأن الأرض بلا نظام، وكأن المواسم لا تعني شيئًا. كلٌ يغني على ليلاه، والنتيجة خسائر متكررة يتحملها المزارع والبيئة معًا.
اسمحوا لي أن أسرد لكم هذه الحكاية الحقيقية من زمن الخبرة… الحاج عوض والمزارع
يروي كبار المزارعين في دلتا أبين قصة الحاج عوض – رحمه الله – وكان من أهل الخبرة والمعرفة بالمواسم الزراعية وقراءة النجوم.
مرّ ذات صباح مبكر بأحد الحقول، فرأى مزارعًا يقوم بعملية السلق بالضمد (الزراعة) في وقت مبكر، فوقف عنده وقال له:
"يا ولدي، قف… توقف عن العمل، الوقت غير مناسب. أجل عملية الزراعة بعد الساعة التاسعة. أما الآن فالرطوبة عالية، ولو استمريت بالعمل سيطلع إنتاج الحبوب كله عُكَيْب."
العُكَيْب بلغة الزراعة هو تفحم السنابل، وهو مرض فطري خطير.
لم تكن كلمات الحاج عوض عابرة، بل خلاصة تجربة سنين. ففي ساعات الصباح الباكر تكون الرطوبة مرتفعة، وفي الوقت نفسه النجم غير مناسب، وأي عملية غير مناسبة قد تؤثر على تكوين الأزهار والثمار، وتنعكس لاحقًا على جودة الحبوب وامتلائها. العُكَيْب عبارة عن مسحوق أسود يؤثر على جودة المحصول والبذور الخاصة بالزراعة.
هذه القصة البسيطة تلخص حقيقة كبيرة:
التوقيت في الزراعة ليس تفصيلاً صغيرًا، بل هو أساس الإنتاج.
لماذا المواعيد الزراعية مهمة؟
الزراعة ليست مجرد حراثة وبذر وريّ، بل هي:
علم توقيت يرتبط بدرجات الحرارة والرطوبة وطول النهار.
إدارة موارد تتحكم في المياه والتسميد ومكافحة الآفات.
اقتصاد يحدد حجم الإنتاج وكلفته وربحيته.
فن يقوم على الانضباط والخبرة والتجربة.
متابعة الأرصاد الجوية والنجوم.
إذن علينا أن نفهم جيدًا أنه:
عندما يُزرع المحصول خارج موسمه ينتج ما يلي:
تضعف النباتات نتيجة عدم ملاءمة الظروف المناخية.
تزداد قابلية الإصابة بالأمراض الفطرية والبكتيرية.
تنشط الآفات الحشرية في أوقات ذروتها.
ترتفع تكاليف المبيدات والأسمدة.
ينخفض الإنتاج كمًا ونوعًا.
السمسم في دلتا أبين نموذج للمشكلة
في دلتا أبين، نلاحظ استمرار بعض المزارعين في زراعة محصول السمسم في مواعيد غير مناسبة، وقد يكون على مدار العام.
وهذا خطأ فني يؤثر سلبًا على:
خصوبة التربة.
التوازن البيئي الزراعي.
مستوى الإنتاج.
دخل المزارع نفسه.
ثم بعد ذلك نسمع المزارعين يشتكون من:
انتشار الآفات.
كثرة الأمراض.
قلة المحصول.
ارتفاع تكاليف المكافحة الكيميائية.
والحقيقة أن كثيرًا من هذه المشكلات سببها الأول اختلال موعد الزراعة.
إذن علينا أن ندرك تمامًا أن الزراعة مسؤولية… وليست قابلة للاجتهادات الفردية.
تذكر دائمًا يا عزيزي المزارع:
الالتزام بالمواعيد الزراعية هو أساس الاستقرار الإنتاجي. كما أن اتباع الممارسات الزراعية الصحيحة مثل:
إعداد جيد للتربة،
اختيار تقاوي سليمة،
تنظيم الري،
إضافة المخصبات العضوية…
يمثل خط الدفاع الأول ضد الخسارة.
والحمد لله، بلادنا غنية بالمخصبات العضوية الطبيعية، ورخيصة وغير مكلفة، وقادرة على تحسين بنية التربة ورفع خصوبتها وتقوية النبات ضد الإجهاد والآفات، إذا استُخدمت ضمن برنامج موسمي مدروس.
رسالة صادقة من القلب إلى القلب
إليكم يا أهل الأرض… يا عشاق الزراعة:
الزراعة ليست مغامرة عشوائية، بل التزام وانضباط. فمن التزم بالموسم والموعد المحدد ربح، ومن خالفه دفع الثمن غاليًا.
عليكم العودة إلى قواعد الزراعة السليمة، واحترام المواعيد الزراعية كما نحترم مواعيد عباداتنا وأعمالنا.
أخيرًا نقول لك، أخي المزارع:
لا تزرع لأن غيرك زرع، بل ازرع لأن الموسم مناسب.
لا تجعل الزراعة موضة، بل اجعلها عملًا أساسيًا للاستمرار في الحياة.
اسأل عن الموعد الصحيح قبل أن تشتري البذور، فالموسم السليم نصف النجاح، والإدارة الجيدة تكمل النصف الآخر.
أرضك أمانة… فامنحها التوقيت الذي تستحقه لتحصد الخير والبركة.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين