شهدت دلتا أبين خلال موسمين زراعيين متتاليين، وهما 2024م و2025م، تدهورًا ملحوظًا في إنتاجية ونوعية محصولي الفول السوداني والسمسم، وهما من أهم المحاصيل الزيتية الاستراتيجية في دلتا أبين نظرًا لقيمتهما الاقتصادية والغذائية ودورهما في دورة المحاصيل وتحسين خصوبة التربة. وقد تجلت مظاهر التدهور في:
إصابات حقلية شديدة بحشرات وأمراض غير معهودة بهذه الحدة.
تراجع في نمو النباتات وموت مبكر قبل اكتمال النضج.
إصابات مخزنية أدت إلى تلف كميات كبيرة من الإنتاج.
انخفاض في نسبة الإنبات عند استخدام بذور من مواسم سابقة.
ضعف عام في النمو وظهور نباتات متقزمة وضعيفة وقليلة الإنتاج.
هذه الظاهرة لم تعد حالة فردية أو محدودة جغرافيًا، بل تحولت إلى مشكلة إنتاجية حقيقية تمس الأمن الغذائي المحلي والدخل الزراعي للمزارعين، وتستدعي تدخلًا مؤسسيًا علميًا منظمًا. وهنا لا بد من التدخل السريع من قبل وزارة الزراعة وهيئة البحوث والإرشاد الزراعي والمهتمين بالشأن الزراعي، بما فيهم الجمعيات الزراعية.
قراءة تحليلية للأسباب المحتملة
رغم غياب تفسير حاسم حتى الآن، إلا أن القراءة الفنية تشير إلى تداخل عدة عوامل:
1. تدهور القاعدة الوراثية للأصناف
وهنا نقول بكل صراحة: لم تخضع أصناف الفول السوداني والسمسم المتداولة في الدلتا لبرامج تحسين وتجديد وراثي منذ سنوات طويلة، مما أدى إلى:
انخفاض الحيوية الوراثية.
تراجع القدرة على مقاومة الإجهادات البيئية.
قابلية أعلى للإصابة بالأمراض والحشرات.
2. اختلال الدورة الزراعية
استمرار زراعة نفس المحاصيل في نفس الحقول دون تعاقب زراعي سليم أدى إلى:
تراكم مسببات الأمراض في التربة.
زيادة الكثافة العددية للآفات المتخصصة.
اختلال التوازن الحيوي في المنظومة الزراعية.
ضعف الممارسات الزراعية وعدم القيام بحراثة الأرض بشكل صحيح بحجة ارتفاع تكاليف ساعات العمل الآلي.
3. تغيرات مناخية مصاحبة
رغم عدم تحميل التغير المناخي كامل المسؤولية، إلا أن:
ارتفاع درجات الحرارة.
تذبذب الرطوبة.
تغير مواعيد الهطول للأمطار أو الري.
قد ساهمت في خلق بيئة ملائمة لتكاثر بعض الآفات وتسريع دوراتها الحياتية.
4. انخفاض مستوى الرطوبة في الطبقة السطحية للتربة
يُعد انخفاض مستوى الماء الأرضي وجفاف الطبقة السطحية من التربة الزراعية أحد العوامل الحاسمة في ضعف إنتاج الفول السوداني. فالمحصول يحتاج إلى توفر رطوبة مناسبة في عمق لا يقل عن 8–10 سم على الأقل، خاصة خلال مرحلة تكوين القرون.
حيث إن الصواريخ (الحامل الزهري الذي ينمو بعد الإخصاب ويتجه نحو التربة لتكوين القرون) تحتاج إلى تربة رطبة ومرنة لتخترقها بسهولة. وعند جفاف الطبقة السطحية:
تصطدم الحوامل الزهرية بتربة صلبة وجافة.
تعجز عن التعمق داخل التربة.
يتوقف تطور حامل القرن ويموت قبل تكوين الثمرة.
تنخفض نسبة العقد وتكوين القرون، مما يؤدي مباشرة إلى قلة الإنتاج.
وهذا العامل غالبًا ما لا يُلاحظ إلا عند الحصاد، حيث يكتشف المزارع انخفاض عدد القرون مقارنة بعدد الأزهار المتكونة سابقًا. وهذا السبب قد لا يخطر على بال الكثير، لكن من خلال متابعة عملية الحصاد عند كثير من المزارعين يُلاحظ ذلك بسهولة.
5. تدهور خصوبة التربة
يُعد محصول السمسم من المحاصيل نصف المجهِدة، بينما يُصنَّف الفول السوداني بأنه غير مُجهِد للتربة لكونه يساهم في تثبيت النيتروجين ويحافظ نسبيًا على خصوبتها. ومع ذلك، فإن أراضي دلتا أبين أصبحت فقيرة بسبب عدم استخدام أي نوع من الأسمدة العضوية أو الكيميائية.
ولهذا، كيف يمكن للمزارع أن يحصل على محصول جيد من حيث الجودة والكمية؟
6. ضعف إدارة ما بعد الحصاد
الإصابات المخزنية تشير إلى:
ضعف عمليات التجفيف.
التخزين في بيئات غير ملائمة.
غياب المعاملات الوقائية الحيوية أو الميكانيكية قبل التخزين.
الحلول المؤسسية المقترحة
1. تشكيل لجنة فنية متخصصة
يوصى بأن تقوم وزارة الزراعة والري بتشكيل لجنة فنية مصغرة تضم:
باحثين من مركز البحوث الزراعية.
مهندسين زراعيين ميدانيين.
كادرًا متوسطًا قريبًا من المزارعين ومناطق الإصابة.
مهام اللجنة:
تنفيذ مسح ميداني شامل لتحديد نوعية الإصابات وتشخيصها مخبريًا.
جمع عينات من التربة والبذور والنباتات المصابة.
إعداد قاعدة بيانات دقيقة للمناطق المتضررة.
2. إدخال وتقييم أصناف محسنة
البحث عن أصناف فول سوداني وسمسم من دول عربية أو إقليمية لا تزال تحتفظ بإنتاجية جيدة ومقاومة نسبية.
إدخال هذه الأصناف ضمن برنامج تقييم محلي.
تنفيذ تجارب حقلية محدودة بالتشارك مع:
مزرعة البحوث الزراعية.
مزرعة كلية ناصر للعلوم الزراعية.
عدد محدود من المزارعين المتعاونين.
متابعة النتائج لمدة موسمين زراعيين على الأقل قبل التوسع.
3. إنشاء حقول إيضاحية أو تجريبية
لدى المزارعين المتميزين والراغبين في التعاون والمشاركة مع الجهات البحثية والإرشادية.
من المهم تتبع المزارعين الذين لم تتعرض محاصيلهم لإصابات شديدة، ودراسة:
ممارساتهم الزراعية.
مواعيد الزراعة.
مصادر البذور.
أساليب الري والتسميد.
ثم إنشاء حقول تجريبية لديهم ومقارنتها بالحقول المتضررة.
توصيات فنية عاجلة للمزارعين
1. إيقاف مؤقت لزراعة المحصول المصاب
يُنصح المزارعون الذين تعرضت محاصيلهم لتلف كبير خلال الموسمين الماضيين بـ:
التوقف عن زراعة المحصول المصاب لمدة موسمين.
استبداله بمحاصيل أقل عرضة للإصابة لكسر دورة الآفة.
2. اعتماد نظام فرز دقيق للبذور أثناء الحصاد
بإشراف كادر بحثي وإرشادي متمكن ولديه خبرة كافية، بحيث يتم اختيار البذور الكبيرة والمكتملة النضج والخالية من الثقوب أو العفن أو المشوهة، واستبعاد البذور الخفيفة أو المتغيرة اللون، مع إجراء اختبار إنبات بسيط قبل الزراعة.
3. تحسين إدارة المخازن
من خلال:
التجفيف الجيد قبل التخزين.
تخزين المحصول في أماكن جيدة التهوية ومنخفضة الرطوبة.
استخدام وسائل وقائية آمنة ضد الآفات المخزنية.
ضرورة تبني منهج الإدارة المتكاملة للآفات (IPM)
المعالجة لا يجب أن تكون عشوائية أو قائمة فقط على المبيدات، بل وفق برنامج إدارة متكاملة يشمل:
أصناف مقاومة.
تعاقبًا زراعيًا مدروسًا.
مكافحة حيوية.
رصدًا دوريًا للإصابات.
تدخلًا كيميائيًا عند الضرورة وبشكل مقنن.
أخيرًا نقول:
إن التدهور المفاجئ في محصولي الفول السوداني والسمسم ليس حدثًا عابرًا، بل مؤشر على خلل بنيوي في المنظومة الإنتاجية، سواء على مستوى المادة الوراثية أو الإدارة الحقلية أو التخزين.
التعامل مع هذه المشكلة يتطلب:
تشخيصًا علميًا دقيقًا.
تدخلًا مؤسسيًا منظمًا.
شراكة حقيقية بين الباحث والمرشد والمزارع.
شجاعة في اتخاذ قرارات مؤقتة كتغيير المحصول أو إدخال أصناف جديدة.
المعركة ليست ضد حشرة أو مرض فقط، بل ضد تراكمات إهمال التجديد والتطوير. وإذا لم نتحرك علميًا ومنهجيًا الآن، فقد نفقد واحدًا من أهم روافد الاقتصاد الزراعي في دلتا أبين.
نصيحتي لجميع المزارعين:
أخي المزارع:
لا تزرع كما كنت تزرع قبل عشر سنوات… تقول لماذا؟
أقول لك إن الأرض تتغير، والآفات تتغير، والمناخ يتغير.
وبناءً على ذلك:
اختر بذورك بعناية.
جدّد بذورك.
بدّل محصولك عند الحاجة.
وكن دائمًا أقرب إلى العلم من العادة.
عبدالقادر خضر السميطي
دلتا أبين