بعيدًا عن الإطراء والمديح أو التشهير والتجريح، يمكن القول إنه حتى ما قبل عام، وربما ما قبل أربعة أشهر، كادت ذكرى الرابع من مايو أن تصبح يومًا يخص المجلس الانتقالي وأعضاءه وعددًا من أنصاره، الذين كانت رقعتهم تتقلص لأسباب كثيرة، ليس هذا المقام المناسب للحديث عنها، وليس ما يسمى بـ"فشل المجلس" في توفير الخدمات هو السبب الرئيسي من بينها، لكن هذه الأسباب يمكن التوقف عندها في مناسبة أخرى وفي سياق آخر.
بعد حملة تجريم وشيطنة المجلس الانتقالي واتهام قيادته بالخيانة الوطنية، ومن ثم ملاحقة قيادته ومحاولة محو المجلس بالمعنيين السياسي والوجودي للمفردة، ثم الطعن في مشروعيته، بعد كل هذا لم يعد يوم الرابع من مايو يعبر عن المجلس الانتقالي وحده، بل لقد أصبح يمثل ذكرى إحياء المشروعية الوطنية الجنوبية، وتثبيت مسار النضال الجنوبي على سكة المستقبل الحر المستقل، من خلال انعتاق الإرادة السياسية الجنوبية وتبلورها في كيان سياسي واضح المعالم، محدد الأهداف، مبين الوسائل والأدوات، على طريق الحق الجنوبي الشرعي الذي لا ينازع الجنوبيين فيه منازع، وهو حق استعادة دولتهم التي جرى تدميرها في حربين متتاليتين، وجاءت الحرب الأخيرة، الثالثة، لتستكمل ما خُطط له من قبل أعداء الجنوب منذ زمن مبكر.
لقد أصبح الرابع من مايو عنوانًا للقضية، وليس مجرد ذكرى من ذكريات الأمس.
في هذا السياق يمكن ملاحظة أن هناك من لا تروق لهم الدعوات الموجهة للاحتشاد بهذه المناسبة، وهؤلاء مهما تضاءل عددهم أو كثر، فإن لدى بعضهم ملاحظات وجيهة لا بد من استيعابها والنظر فيها بجدية، لكنه لا بد من التمييز بين من يعادي المجلس الانتقالي الجنوبي كمشروع وطني تحرري، ويخاصم موقفه السياسي الهادف إلى التعبير عن إرادة الشعب الجنوبي في التحرر واستعادة دولته، وبين من لديه تحفظات على بعض السلبيات والنواقص والأخطاء التي رافقت تجربة السنوات التسع المنصرمة على تأسيسه.
ولقد قلت مرارًا: نحن مع المجلس الانتقالي الجنوبي ومشروعه الوطني التحرري، لكننا لسنا مع الأخطاء والسلبيات التي تُمارس باسمه ومن خلال بعض هيئاته أو من قبل بعض المحسوبين عليه. وأتمنى على جميع الشرفاء والمخلصين لمشروع التحرر الوطني الجنوبي ألا يفرطوا بالقضية التي يناضل من أجلها الشعب الجنوبي، وكل قواه السياسية الفاعلة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، رفضًا لتلك الأخطاء والسلبيات التي جرى الحديث عنها، والتي يمكن التوقف عندها في مناسبة قادمة.
ليكن يوم الرابع من مايو 2026م تجسيدًا لإرادة التحرر والاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية على حدود 21 مايو 1990م، ولنكن جميعًا مساهمين في إحياء هذه المناسبة، دون التخلي عن السير على طريق تصويب مسار المجلس الانتقالي مستقبلًا، وتخليصه من مطبات وهفوات وأخطاء الماضي، وهي أمور يمكن التوقف عندها في سياق وظرف آخرين.
الرحمة لشهداء الثورة الجنوبية،
والنصر للإرادة التحررية الجنوبية