آخر تحديث :الخميس-10 سبتمبر 2026-09:51م
وثائقيات

شيخ الشهداء... سبعون عاماً من العطاء والنضال
سيرة الشهيد البطل سعيد عبدالله شيخ عبدالله السعيدي «أبو طلال» ..رجلٌ لم يمنعه العمر من الوقوف في الصفوف الأولى حتى ارتقى شهيداً

سيرة الشهيد البطل سعيد عبدالله شيخ عبدالله السعيدي «أبو طلال» ..رجلٌ لم يمنعه العمر من الوقوف في الصفوف الأولى حتى ارتقى شهيداً
الخميس - 10 سبتمبر 2026 - 08:36 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص


من جبال امها حمه في مديريه سرار يافع محافظه ابين خرج فارسٌ من جيلٍ لا يعرف التراجع


إذا كانت مديرية سرار يافع محافظه ابين قد قدمت في ساحات النضال والقتال شباباً من خيرة أبنائها، فإنها كذلك قدمت رجالاً تجاوزوا مرحلة الشباب، لكنهم ظلوا يحملون في قلوبهم روح الفداء والشجاعة حتى آخر لحظة من حياتهم.

ومن بين هؤلاء يبرز اسم الشهيد البطل/ سعيد عبدالله شيخ عبدالله السعيدي «أبو طلال»، الذي استشهد وهو في السبعين من عمره، بعد أن قضى حياته متنقلاً بين ميادين العمل العسكري والنضال الوطني، وظل وفياً لأرضه وقضيته حتى آخر لحظة.


لم يكن العمر بالنسبة إليه رقماً يحول بين الإنسان وواجبه، ولم تكن السنوات الطويلة التي عاشها سبباً للابتعاد عن ساحات المواجهة، بل ظل محتفظاً بروح الرجل الذي عرف معنى التضحية منذ شبابه الأول.

ولهذا استحق أن يُذكر في سجل شهداء مديريه سرار بوصفه شيخ الشهداء، فقد حمل السلاح في شبابه، وخدم في المؤسسة العسكرية، وشارك في مراحل مختلفة من تاريخ الجنوب، ثم عاد في سن السبعين إلى ميدان القتال، حيث كانت خاتمة حياته شهادةً في سبيل ما آمن به من عقيده ودفاعا عن وطنه وامته.


الميلاد والنشأة

في أحضان جبال امها حمه

ولد الشهيد/ سعيد عبدالله شيخ عبدالله السعيدي عام 1945م في منطقة أمها حمه بمديرية سرار يافع، محافظة أبين، في أسرة عُرفت بالشجاعة والكرم وحسن الخلق.

وينتمي الشهيد إلى قبيلة السعيدي، وهي من القبائل التي قدمت عدداً كبيراً من الشهداء في تاريخ مديرية سرار، وكانت لها إسهاماتها ومواقفها في مختلف مراحل النضال.

نشأ الشهيد/ سعيد عبدالله شيخ في بيئة جبلية شامخة، يعتمد أبناؤها على الرعي والعمل في ظروف طبيعية صعبة، وهي بيئة عُرفت بقدرتها على صناعة الرجال، بما تفرضه حياة الجبال من صبر وقوة وتحمل للمشاق.

ومن بين هذه الجبال تربى شهيدنا، وتشرب منذ طفولته قيم الرجولة والشجاعة والكرم، فكانت شخصيته انعكاساً طبيعياً للبيئة التي ولد ونشأ فيها.


وكانت جبال حمه بالنسبة إليه أكثر من مجرد مكان عاش فيه، فقد كانت المدرسة الأولى التي تعلم فيها الصبر، والبيت الأول الذي احتضن أحلامه، والأرض التي ظل مرتبطاً بها حتى آخر أيام حياته حتى بعد أن أخذته الحياه بعيدا عنها، ظل مرتبط بها وبذكرياتها ومتواصلا باستمرار مع ابناءها.


المعلامة... البداية الأولى لطريق العلم


في زمن لم تكن فيه المدارس النظامية متوفرة في كثير من المناطق الريفية، تلقى الشهيد سعيد عبدالله شيخ عبدالله السعيدي تعليمه الأول في المعلامة، حيث تعلم القراءة والكتابة.

وكان التعليم في ذلك الوقت بسيطاً في وسائله، لكنه كان عظيماً في أثره، إذ أتاح له أن يفتح نافذة على المعرفة، وأن يكتسب من العلم ما يعينه في حياته العملية والعسكرية.

وبالتوازي مع ذلك، عاش حياة أبناء المنطقة، وعرف طبيعة العمل الريفي وما يتطلبه من صبر وتحمل، قبل أن ينتقل إلى مرحلة جديدة ستغير مسار حياته وتجعله واحداً من رجال المؤسسة العسكرية.


عام 1963م... بداية الرحلة العسكرية


في عام 1963م التحق الشهيد بالسلك العسكري، وكان ذلك العام مواكباً لانطلاق ثورة الرابع عشر من أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني.

وفي تلك المرحلة، كان الشهيد لا يزال شاباً يافعاً، لكنه وجد نفسه وسط الأحداث التي كانت ترسم ملامح مرحلة جديدة من تاريخ الجنوب.

شارك في عدد من الجبهات، واكتسب من تلك المرحلة خبرة مبكرة في العمل العسكري، وعرف معنى الالتزام وتحمل المسؤولية، وهي الخبرات التي سترافقه طوال حياته.

لقد كانت بدايته العسكرية مبكرة، لكنها كانت بداية لمسيرة امتدت عقوداً، وظل خلالها قريباً من المؤسسة العسكرية ومجالات العمل الوطني.


من المليشيا الشعبية إلى بناء المؤسسة العسكرية


بعد الاستقلال من الاستعمار البريطاني، شارك الشهيد مع عدد من زملائه في تأسيس ما كان يعرف آنذاك بـ المليشيا الشعبية في مديرية رصد، والتي كانت تضم عدداً من المراكز التابعة لها.

وكانت تلك المرحلة جزءاً من عملية بناء المؤسسات العسكرية والأمنية في الجنوب بعد الاستقلال، حيث احتاجت الدولة الناشئة إلى كوادر عسكرية تمتلك الخبرة والانضباط والقدرة على تحمل المسؤولية.

وبفضل خبرته العسكرية، تولى الشهيد سعيد عبدالله شيخ السعيدي مهمة مدير التسليح في المليشيا الشعبية، وهي مسؤولية تتطلب الدقة والأمانة والخبرة.

وكانت هذه المرحلة محطة مهمة في حياته، إذ أتاحت له أن يراكم المزيد من الخبرة العسكرية، وأن يتحمل مسؤوليات أكبر داخل المؤسسة التي أصبح جزءاً منها.


الدورات العسكرية وصقل الخبرة


مع تأسيس الجيش الجنوبي وتطور مؤسساته، واصل الشهيد تأهيل نفسه عسكرياً، وحصل على عدد من الدورات العسكرية التي أسهمت في تطوير قدراته وزيادة خبرته في المجالات العسكرية والقتالية.

ولم تكن خبرته نتيجة سنوات الخدمة فقط، بل كانت ثمرة التدريب والممارسة وتحمل المسؤوليات المختلفة.

وبفضل ما اكتسبه من خبرات، تمت ترقيته إلى رتبة ملازم ثانٍ عام 1984م، ليواصل مسيرته العسكرية برتبة جديدة ومسؤوليات أكبر.


مهمة عسكرية خارج الوطن

في عام 1976م، وبسبب ما كان يتمتع به من خبرة وقدرة عسكرية، تم اختياره ضمن قوة عسكرية أُرسلت إلى جمهورية إثيوبيا.

وكان اختيار الشهيد ضمن تلك القوة مؤشراً على الثقة التي حظي بها، وعلى ما كان يمتلكه من خبرة وانضباط أهلاه للمشاركة في مهمة عسكرية خارج الوطن.

وهكذا واصل الشهيد/ سعيد عبدالله شيخ السعيدي بناء خبرته، متنقلاً بين المهام والمواقع، ومكتسباً مع مرور السنوات معرفة واسعة بالحياة العسكرية ومتطلباتها.


رجلٌ عُرف بالأمانة والصدق

لم تكن شخصية الشهيد قائمة على الشجاعة العسكرية وحدها، فقد عرفه من عاشره وعمل معه بصفات إنسانية وأخلاقية جعلته محل احترام وتقدير.

كان معروفاً بـ الصدق والأمانة والورع والتواضع وحسن الحديث والهدوء، وهي صفات شهد بها له من عرفه في مديريتي رصد وسرار ومنطقة أمها حمه، وكذلك زملاؤه في المؤسسة العسكرية.

وكان هادئاً في حياته وتعاملاته، حسن الحديث، قريباً من الناس، لكنه كان يتحول إلى رجل حازم عندما يرى الظلم أو يشعر بأن كرامة الإنسان وحقوقه تتعرض للانتهاك.

وهنا اجتمعت في شخصيته صفات قد تبدو متباعدة، لكنها صنعت شخصية متوازنة، الهدوء والتواضع من جهة، والحزم والشجاعة من جهة أخرى.


بعد حرب 1994م... ألم الوطن وهموم الإنسان


عندما اندلعت حرب صيف عام 1994م، كان الشهيد قد أصبح متقاعداً عن العمل العسكري.

لكن التقاعد من المؤسسة العسكرية لم يكن يعني بالنسبة إليه التقاعد عن الاهتمام بوطنه وقضاياه.

وبعد الحرب، عاش الشهيد مرحلة مليئة بالألم والحسرة نتيجة ما آلت إليه الأوضاع، وما رآه من معاناة وإقصاء وتشريد وحرمان طال كثيراً من أبناء الجنوب.

وظل يحمل ذلك الهم في داخله، ولم يتخلَّ عن قناعته بأن للإنسان حقاً في أن يعيش بكرامة، وأن المطالبة بالحقوق لا ترتبط بعمر معين.


الحراك السلمي الجنوبي... حين عاد صوت الشيخ إلى الساحات


عندما انطلق الحراك السلمي الجنوبي عام 2007م، كان الشهيد من أوائل المشاركين في المطالبة بحقوق العسكريين الجنوبيين الذين تعرضوا للتقاعد القسري.

وكان راتبه التقاعدي قد أصبح، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وثبات الراتب، لا يلبي احتياجات الحياة، وهو ما زاد من شعوره بأهمية المطالبة بالحقوق.

ورغم تقدمه في العمر، لم يمنعه ذلك من المشاركة في الفعاليات والمسيرات التي كان ينظمها الحراك السلمي الجنوبي.


كان يمكن لرجل في عمره أن يختار الراحة والابتعاد عن المشهد، لكنه اختار أن يبقى حاضراً، وأن يشارك في الفعاليات إلى جانب أبناء الشعب، مؤكداً أن الإنسان يستطيع أن يخدم ما يؤمن به ما دام قادراً على العطاء.


2015م... حين لم يكن العمر حاجزاً أمام الواجب


كانت المحطة الأبرز في حياة الشهيد هي حرب عام 2015م.

فمع اندلاع الحرب ووصول المواجهات إلى الجنوب، لم ينظر الشهيد/ سعيد عبدالله شيخ عبدالله السعيدي إلى عمره الذي بلغ السبعين باعتباره سبباً للابتعاد عن الميدان.

بل اتخذ موقفاً آخر، فقد بادر إلى الالتحاق بالصفوف الاولى التي تصدت للقوات الحوثية المدعومه من ايران، وانضم إلى جبهة (بلة- العند) في محافظة لحج.

وهنا تظهر الصورة الأوضح لهذا الرجل، فقد كان بإمكانه أن يقول إن العمر لم يعد يسمح له، أو إن سنوات الخدمة العسكرية قد انتهت، لكنه اختار أن يعود إلى الميدان مرة أخرى.


كان في السبعين، لكن روح الشاب الذي التحق بالسلك العسكري عام 1963م كانت لا تزال حاضرة فيه.


شيخ الشهداء... سبعون عاماً ولا يزال في الصف الأول


قد يكون وصف (شيخ الشهداء) أصدق ما يختصر هذه السيرة.

فهذا الرجل الذي عاش سبعين عاماً لم يكتفِ بأن يروي لأبنائه وأحفاده ذكريات شبابه وماضيه العسكري، بل عاد بنفسه إلى الميدان عندما رأى أن وطنه يحتاج إلى الرجال.

قاتل في سن السبعين، في وقت يختار فيه كثيرون الراحة والابتعاد عن المخاطر، لكنه اختار الطريق الذي عرفه منذ شبابه: طريق الموقف وتحمل المسؤولية.

وهكذا أصبحت سنوات عمره السبعون شاهدة على أن الشجاعة ليست مرتبطة بمرحلة عمرية، وأن حب العقيده و الأرض والانتماء إليها يمكن أن يبقيا حاضرين في قلب الإنسان مهما تقدم به العمر.


موعد الشهادة... 24 يوليو 2015م


في يوم الجمعة الموافق 24 يوليو 2015م، كانت روح الشهيد على موعد مع الشهادة.

فبعد مسيرة طويلة امتدت سبعين عاماً، بدأت في جبال أمها حمه، ومرت بالتعليم في المعلامة، ثم بالسلك العسكري والجبهات والدورات والمسؤوليات، وصولاً إلى المشاركة في الحراك السلمي، انتهت الرحلة في ميدان القتال في جبهة (بلة ـ العند) بمحافظة لحج.

هناك ارتقت روحه الطاهرة، تاركاً خلفه تاريخاً حافلاً بالمحطات والمواقف.

رحل الشهيد سعيد عبدالله شيخ عبدالله السعيدي (أبو طلال)، لكن رحيله لم يمحُ أثره، فقد ترك وراءه أسرة وأبناء ورفاقاً عرفوه، وذكريات حملها كل من عاش معه وعرف مواقفه.


أسرة الشهيد... ثمانية أبناء يحملون ذكراه


كان الشهيد متزوجاً، وأباً لـ ثمانية أبناء، أربعة ذكور وأربع إناث.

وبقدر ما كان رحيله مؤلماً لأسرته، فقد بقيت سيرته مصدر اعتزاز لأبنائه، الذين يحملون اسم أبيهم وذكراه، ويعرفون أنه عاش حياة طويلة حافلة بالمحطات والمواقف.

لقد ترك لهم إرثاً لا يقاس بالمال، وإنما بما تركه من سيرة ومواقف وذكريات.


الخاتمة

رحل الشيخ... وبقيت الحكاية


لم تكن حياة الشهيد/ سعيد عبدالله شيخ عبدالله السعيدي (أبو طلال) حياة رجل عادية ، فقد بدأت من جبال أمها حمه، في بيئة بسيطة، وتدرجت من التعليم في المعلامة إلى الخدمة العسكرية، ثم المشاركة في بناء المليشيا الشعبية، وتولي مسؤوليات عسكرية، والحصول على الدورات والخبرات، والمشاركة في مهام خارج الوطن.

وعندما انتهت خدمته العسكرية بالتقاعد، لم تنتهِ علاقته بقضايا مجتمعه، بل عاد إلى الميدان من خلال الحراك السلمي الجنوبي، وظل حاضراً رغم تقدمه في العمر.

ثم جاءت حرب عام 2015م لتكشف عن معدن هذا الرجل مرة أخرى، ففي سن السبعين، لم يختبئ خلف عمره، ولم يجعل الشيخوخة عذراً للابتعاد، بل تقدم إلى جبهة بلة في محافظة لحج، وهناك كانت خاتمة رحلته الطويلة.

سبعون عاماً عاشها بين الجبال والعمل والجندية والمواقف.

سبعون عاماً لم تطفئ في قلبه روح العطاء.

سبعون عاماً انتهت بالشهادة، لكنها لم تنه سيرة رجلٍ ظل وفياً لما آمن به حتى آخر لحظة.

ولهذا سيظل اسم الشهيد/ سعيد عبدالله شيخ عبدالله السعيدي (أبو طلال) حاضراً في ذاكرة أهله وأبناء مديرية سرار، واحداً من أولئك الرجال الذين أثبتوا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعمره، وإنما بما يتركه خلفه من أثر ومواقف.

رحم الله الشهيد البطل/ سعيد عبدالله شيخ السعيدي (أبو طلال)، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه خالدة في سجل شهداء سرار، وألهم أبناءه وأسرته ورفاقه الصبر والسلوان.


من كتاب (الخالدين)

للمؤلف الأستاذ/ عبدالوهاب العمري