لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، ولم يبقَ في قوس الصبر منزع، وبلغت القلوب الحناجر! تحت سماءٍ تصبّ جام غضبها لهيباً وحرارة، وفي صيفٍ قاتلٍ يعصر الأجساد وينزف منها آخر قطرات الصبر، تقف مديرية خنفر بكامل ثقلها التاريخي والجغرافي كبرى مديريات محافظة أبين، وهي تجرّ أذيال خيبة أملٍ أثقلت كواهل أهلها. لم يكن يكفِ هؤلاء البسطاء أن تكتوي أجسادهم بنار الحر اللافح، ولا أن يغرقوا في ظلامٍ دامس جراء انقطاع التيار الكهربائي الذي لا ينتهي، حتى نزلت عليهم الفاجعة الأشد إيلاماً: أن يجف شريان الحياة، وأن تُقطع عنهم قطرة الماء.
لو مشيت اليوم في شوارع جعار العريقة، أو زرت أزقة المحراق والمخزن والقرى المجاورة، لن تقع عينك إلا على مشاهد تدمي القلوب وتستفز الدموع في الأعين. ستشاهد شيوخاً أنهكهم العمر وشاب شعرهم بحثاً عن شربة ماء، يجلسون عاجزين بجوار أوعية بلاستيكية خاوية تصرخ بجفافها، وأطفالاً صغاراً غادرت البسمة وجوههم وهم يحملون أثقالاً تفوق طاقتهم تحت شمسٍ لا ترحم. تشاهد أمهاتٍ يقفن بقلوبٍ مفجوعة أمام أطفالهن العطشى، لا يملكن إلا الدموع ورجاءً بين جدران منازل غدت كالأفران المشتعلة.
كيف لإنسانٍ أن يتحمل هذا العذاب الثلاثي المرير؟ كيف يواجه المواطن البسيط في خنفر سياط الصيف القاهر، وظلمة الليالي الدامسة، ثم يجد نفسه عاجزاً حتى عن غسل وجهه أو إطفاء غليل عطشه؟ لقد أصبحت صهاريج المياه حلمًا بعيد المنال، تلتهم أسعارها المرتفعة ما تبقى من فتات الرزق في جيوب الفقراء والمعدمين وهم الأغلبية الساحقة في هذه المناطق الصابرة، ليصبح الماء – أصل الحياة وأبسط حقوق البقاء – عذاباً يومياً يطارد الكبير والصغير.
ورغم كل هذه الآلام، فإن أهل خنفر اليوم يستبشرون فيك كل الخير، ويرون في شخصك المنقذ الذي لطالما حلموا به وانتظروه طويلاً لانتشالهم من قاع هذه المأساة، وتحسين الخدمات التي تدهورت حتى بلغت الحضيض. نداءٌ نرفعه إليك يا معالي المحافظ الدكتور مختار الرباش، لا من أبراجٍ عاجية، بل من أزقة خنفر المغبرة وعيون أطفالها المجهدين، يعلوه الأمل في قيادتك وحكمتك. إن أهلك في جعار والمحراق والمخزن لا يطالبون بمعجزات، بل يرتجون لفتة حانية وتحركاً عاجلاً يطفئ هذه النار المشتعلة في بيوتهم، ويُعيد الماء إلى مجاريه قبل أن يقتل الجفاف ما تبقى في النفوس من أمل. أعد إلى هذه الأرض نسيم الحياة، فخنفر تموت عطشاً، والماء حقٌ لا يحتمل الانتظار.