آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-01:43م

السباق نحو القاع: بعد أزمة الغاز.. ما الأزمة التالية في جدول العذاب اليومي؟

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - الساعة 12:54 م

مروان الشاطري
بقلم: مروان الشاطري
- ارشيف الكاتب

في المحافظات الجنوبية، لم يعد السؤال بين الناس عن أسباب تدهور الخدمات، بل عن هويّة الكارثة التي تنتظر دورها في جدول الغد؛ إذ أصبحت الحياة من عدن إلى دلتا أبين وسهول لحج تُدار على وقع قائمة متصلة من الاختناقات، يُسلم فيها كل طابور الشعلة للطابور الذي يليه.


فما إن يحاول المواطن التقاط أنفاسه بين مظلمة الكهرباء الصيفية الخانقة وجفاف أبار المياه، وأطلال المدارس والمستشفيات العامة، حتى يتلقى الصدمة التموينية الجديدة والمتمثلة في أزمة غاز الطبخ المنزلي، التي أعادت رسم خريطة الشوارع بطوابير الأسطوانات، وأجبرت العائلات على عودة قسرية للبدائية بجمع الحطب في قلب القرن الحادي والعشرين.


غير أن السؤال الذي يتردد اليوم بين الركام هو: ما هي الأزمة التالية في هذا المخطط المتصاعد؟ والواقع يرسم إجابة أكثر قسوة؛ إذ لن تكون المحطة القادمة مجرد شحّ في مادة تموينية أخرى، بل سنشهد أزمة «شلل العيش الكامل» ونقطة التقاء كوارث التضخم مع تأخير صرف المرتبات وانهيار العملة الوطنية. إنها مرحلة الإفلاس المجتمعي الشامل التي تصبح فيها الأسرة عاجزة تماماً عن المفاضلة بين شراء رغيف الخبز، أو توفير جرعة الدواء، أو الحصول على قنينة ماء.


وفي خضم هذا التهاوي المتسارع، يبرز التناقض الأكبر الذي يدفع الشارع للتساءل بمرارة عمّا إذا كان دور المؤسسات الرسمية قد اختُزل في مجرد إدارة آلة صماء لفرض الضرائب والجبايات والإتاوات على كل شاردة وواردة، بالتوازي مع استمرار الدبلوماسية الرسمية في رفع المذكرات واستجداء المنح والقروض الدولية باسم هذا الشعب المنهك.


فالرسوم والجمارك تُحصل من المنافذ والموانئ بلا تأخير، وتُسجل باسم "المواطن" المليارات كودائع ومساعدات، غير أن الواقع يفرض مفارقة عجيبة: كلما ارتفعت أرقام الإيرادات المجمعة، انحدر مستوى الخدمة المقدمة على الأرض.


يدفع المواطن ثمن كل شيء من قوته وقوت أطفاله، دون أن يرى في المقابل محطة كهرباء تُصلَح، أو مشفىً عاماً يداوي جراحه، أو أسطوانة غاز تُباع بسعرها الرسمي بعيداً عن مصيدة السوق السوداء. وهنا تتجلى الحدود الخطر لغياب الدولة؛ فالدولة ليست حصالة لجمع الأموال ولا وسيطاً لجلب القروض، بل هي عقد اجتماعي أساسه تقديم الأمن والخدمات وحماية القوة الشرائية مقابل التزامات المواطن. وإن الخطر الأكبر الذي يلوح اليوم في أفق هذه المحافظات ليس مجرد انقطاع خدمة جديدة، بل هو الوصول إلى أزمة «فقدان الثقة والأمل»، وحين يصل الشارع إلى يقين بأن الغد لن يحمل سوى المزيد من الأزمات، تسقط كل المبررات الرسمية وتصبح الشوارع هي الناطق الوحيد عن وجع الناس.