أبقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الباب مفتوحًا أمام إمكانية استعادة العلاقات مع إيران، لكنه ربط أي انفتاح محتمل باعتراف طهران بالدور الذي لعبته في سوريا خلال السنوات الماضية، في موقف يعكس توجه دمشق نحو سياسة براغماتية تقوم على تغليب المصالح على منطق العداوات الدائمة.
ويأتي الموقف السوري في وقت لا تزال فيه العلاقة مع طهران محاطة بالكثير من التعقيدات السياسية والشعبية، خصوصًا في ظل موقف إيران السابق الداعم لنظام بشار الأسد، وما خلفه تدخلها في سوريا من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية.
ورغم أن دمشق تبدو منفتحة من حيث المبدأ على إعادة بناء العلاقة مع طهران، فإن الطريق أمام عودة العلاقات إلى طبيعتها لا يزال مليئًا بالعقبات. فالتقارب غير المحسوب قد يفرض أثمانًا سياسية كبيرة على الطرفين، في حين أن استمرار القطيعة والعداء الصامت قد يدفع العلاقة إلى مسارات أكثر خطورة، خصوصًا في ظل تشابك المصالح والمحاور الإقليمية وغياب قنوات دبلوماسية قادرة على احتواء الخلافات.
اعتراف إيراني أم اعتذار رسمي؟
ويطرح شرط الشيباني تساؤلات عديدة بشأن مستقبل العلاقة بين البلدين، خصوصًا حول طبيعة الاعتراف المطلوب من طهران، وما إذا كان سيقتصر على إقرار سياسي بالدور الذي لعبته في سوريا، أم سيتحول إلى اعتذار رسمي وما قد يترتب على ذلك من تبعات قانونية ومالية.
وتبرز في هذا السياق قضية الديون والقروض التي قدمتها إيران للحكومة السورية السابقة، والتي بلغت مليارات الدولارات، وما إذا كانت أي تسوية مستقبلية ستتضمن معالجة هذه الملفات، خصوصًا إذا ارتبط الاعتذار الإيراني المحتمل بمطالبات بالتعويض عن الخسائر التي خلفها التدخل الإيراني في سوريا.
ويرى محللون أن دمشق لم تضع إيران حتى الآن ضمن قائمة الدول التي شهدت معها خطوات متقدمة على طريق إعادة بناء العلاقات الإقليمية والدولية، رغم أن الحكومة السورية الحالية لا تخفي موقفها الرافض للدور الإيراني السابق في دعم نظام الأسد.
المصالح تفرض نفسها
ومع ذلك، لا يبدو أن دمشق تتجه إلى إغلاق الباب أمام طهران بصورة نهائية، إذ إن العلاقات بين الدول، ولا سيما المتجاورة أو الواقعة ضمن محيط جغرافي واحد، لا تقوم على العواطف وحدها، وإنما تحكمها المصالح والحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وعلى الرغم من عدم وجود حدود مشتركة بين سوريا وإيران، فإن نفوذ طهران الممتد عبر العراق ولبنان والمنطقة يجعل تجاهلها أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة إلى دمشق.
ويرى مراقبون أن التمسك بموقف نهائي متشدد تجاه إيران قد يدفع إلى مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، بما يحمله ذلك من مخاطر على أمن سوريا واستقرارها، بينما قد يشكل الحفاظ على قناة اتصال مع طهران خطوة أولى نحو إدارة الخلافات ومنع تحولها إلى مواجهة أوسع.
ويشير هذا الطرح إلى تجارب دول خليجية حافظت، رغم سنوات من التوتر مع إيران، على قنوات اتصال سياسية وأمنية معها، وهو نهج قد تجد دمشق نفسها مضطرة إلى تبنيه بما يتوافق مع علاقاتها الجديدة مع السعودية وتركيا وباكستان.
حسابات الداخل السوري
ويبدو أن اشتراط الشيباني اعتراف إيران بدورها «السلبي» في سوريا يرتبط أيضًا بحسابات داخلية، في ظل استمرار الغضب الشعبي، خصوصًا بين قطاعات واسعة من جمهور الثورة السورية، تجاه الدور الإيراني في دعم نظام الأسد خلال سنوات الحرب.
ومن شأن أي خطوة إيرانية باتجاه مراجعة هذا الدور أن تساعد في تهيئة الأرضية لإعادة بناء العلاقة، لكن الوصول إلى علاقات طبيعية بين البلدين لن يكون سريعًا، إذ ستحتاج دمشق إلى ضمان ألا يأتي أي تفاهم مع طهران على حساب المطالب والحقوق التي يرى السوريون أنهم دفعوا أثمانًا باهظة من أجلها.
كما أن استعادة العلاقات من دون مراجعة حقيقية للماضي قد تضع الحكومة السورية أمام انتقادات داخلية، بينما يمكن لأي اعتذار إيراني، حتى لو جاء في إطار رمزي وسياسي، أن يشكل مدخلًا لإعادة بناء الثقة وفتح صفحة جديدة بين البلدين.
إيران أكثر حاجة إلى دمشق
ومن المرجح أن تتعامل طهران مع المطالب السورية بمرونة سياسية، خصوصًا في ظل سعيها إلى إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية والدولية وسط تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
في المقابل، فإن سوريا الخارجة من حرب طويلة تواجه تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية ضخمة، وهو ما يجعل استمرار العداء المفتوح مع قوة إقليمية مؤثرة مثل إيران مكلفًا بالنسبة إلى دمشق، خاصة إذا انعكست التوترات الإقليمية على الداخل السوري.
لكن موازين الحاجة تبدو مختلفة؛ فإيران خسرت بسقوط نظام الأسد موقعًا مهمًا ضمن شبكة نفوذها الإقليمي، بينما بدأت دمشق في توسيع دائرة علاقاتها مع دول الخليج وتركيا وباكستان، إلى جانب الانفتاح على الولايات المتحدة وأوروبا.
ومن ثم، فإن استعادة العلاقة مع سوريا الجديدة قد تمنح طهران فرصة لاستعادة موطئ قدم في جغرافيا خسرتها بعد سقوط الأسد، وهو ما قد يجعلها أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات سياسية، ولو بصورة تدريجية.
خطوات صغيرة نحو التقارب
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو دمشق غير مستعجلة لإعادة العلاقات مع طهران، وهو ما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة والتفاوض.
وقد تبدأ عملية التقارب، في حال حدوثها، بخطوات محدودة ومتدرجة، تشمل فتح قنوات اتصال غير مباشرة أو مباشرة، ثم إطلاق مسار دبلوماسي لمناقشة الملفات العالقة، قبل الانتقال إلى القضايا الأكثر حساسية، وصولًا إلى بحث المصالح الاقتصادية المشتركة.
وبذلك، قد لا تكون عودة العلاقات السورية الإيرانية قرارًا مفاجئًا، بل مسارًا طويلًا تحكمه حسابات دقيقة، تبدأ بالاعتراف بالماضي، وتمر بإعادة بناء الثقة، وتنتهي – إذا توافرت الظروف المناسبة – بعلاقة جديدة تقوم على المصالح المتبادلة بدلًا من التحالفات السابقة.