آخر تحديث :الجمعة-28 أغسطس 2026-09:19م
وثائقيات

من أخلاق الرجال إلى ميادين الشرف
سيرة الشهيد البطل يسلم عبدالله علوي حسين أمشعث «أبو مختار»..أربعون عاماً من الحياة... وسيرةٌ بقي أثرها أكبر من العمر

سيرة الشهيد البطل يسلم عبدالله علوي حسين أمشعث «أبو مختار»..أربعون عاماً من الحياة... وسيرةٌ بقي أثرها أكبر من العمر
الجمعة - 28 أغسطس 2026 - 08:25 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

تمهيد: رجالٌ تختصر أعمالهم أعواماً طويلة

ليس العمر وحده هو المقياس الحقيقي لحياة الإنسان، فهناك من يعيش أعواماً طويلة دون أن يترك أثراً يذكر، وهناك من يعيش سنوات قليلة، لكنه يستطيع خلالها أن يصنع لنفسه مكاناً في ذاكرة الناس، وأن يترك من المواقف والصفات والأعمال ما يبقى حاضراً بعد رحيله.

ومن هؤلاء الرجال الشهيد البطل/ يسلم عبدالله علوي حسين أمشعث «أبو مختار»، الذي عاش نحو أربعين عاماً، لكنها كانت حافلة بالمواقف التي جعلت من سيرته قصة رجلٍ أكبر من عمره، وأعمق من مجرد سنوات عاشها بين أهله ورفاقه.

كانت حياته نموذجاً للإنسان الذي جمع بين الأخلاق والتواضع والشهامة والشجاعة، وظل قريباً من الناس، محبوباً بينهم، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بحسن السيرة وطيب المعشر.


أولاً: الميلاد والنشأة

من قرقر... حيث البساطة تصنع الرجال

ولد الشهيد البطل يسلم عبدالله علوي حسين أمشعث في منطقة قرقر بمديرية سرار محافظة أبين، ونشأ في أسرة فقيرة تعتمد في معيشتها على رعي الأغنام.

ورغم بساطة الحياة وقلة الإمكانات، كانت أسرته كريمة، عُرفت بين الناس بما يتحلى به أبناؤها من الشجاعة والشهامة والإقدام.

وقد نشأ الشهيد/ يسلم علوي امشعث في بيئة اجتماعية جبلية تتوارث فيها الأسر القيم الأصيلة جيلاً بعد جيل؛ فالكرم والشجاعة وحسن التعامل كانت جزءاً من الحياة اليومية، يتعلمها الأبناء من آبائهم ومن مجتمعهم.

وفي هذه البيئة تشكلت شخصية الشهيد منذ طفولته، فكان هادئاً في طباعه، كريماً في أخلاقه، شجاعاً في مواقفه، وهي صفات ستظل ملازمة له حتى آخر أيام حياته.


ثانياً: سنوات الدراسة وبدايات التميز

طالبٌ متفوق وأخلاقٌ سبقت عمره

التحق الشهيد يسلم أمشعث بمدرسة سرار، ودرس فيها المرحلة الابتدائية.

ومنذ سنواته الأولى، ظهرت عليه علامات التميز، فلم يكن تفوقه مقتصراً على الجانب الدراسي، بل كان أيضاً متميزاً في أخلاقه وسلوكه وتعامله مع زملائه ومن حوله.

كان من أوائل الطلاب، وعُرف منذ صغره بالرجولة المبكرة وحسن الخلق، الأمر الذي جعله يحظى باحترام من عرفه في تلك المرحلة.

وهكذا لم تكن المدرسة بالنسبة إليه مكاناً لتلقي العلم فقط، بل كانت إحدى المحطات التي ظهرت فيها ملامح شخصيته التي ستكبر معه في السنوات التالية.


ثالثاً: من مقاعد الدراسة إلى السلك العسكري

طموح الشباب وبداية مرحلة جديدة

في ذلك الزمن، كانت الظروف الاقتصادية الصعبة تدفع كثيراً من الشباب إلى البحث عن فرص للعمل وخدمة المجتمع، كما كان الالتحاق بالسلك العسكري يمثل طموحاً لدى عدد كبير من شباب جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

وفي سن مبكرة، ترك الشهيد دراسته والتحق بالسلك العسكري، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته.

لم يكن الانتقال من المدرسة إلى الحياة العسكرية أمراً سهلاً، فالمؤسسة العسكرية تتطلب الانضباط والالتزام وتحمل المسؤولية، لكن شخصية الشهيد/ يسلم امشعث وما عرف عنه من جدية وشجاعة وأخلاق ساعدته على التأقلم مع هذه الحياة.

وهناك، بين رفاقه في العمل العسكري، ظهرت صفات أخرى من شخصيته، فأصبح معروفاً بحسن التعامل والتواضع والالتزام.


رابعاً: الأخلاق التي صنعت مكانته

رجلٌ أحبه زملاؤه واحترمه الجميع

إذا كانت الشجاعة صفة بارزة في شخصية الشهيد، فإن الأخلاق والتواضع كانتا من أكثر الصفات التي جعلت له مكانة خاصة بين الناس.

ففي السلك العسكري، تميز عن كثير من زملائه بأخلاقه الحميدة وصفاته الطيبة.

وكان أسلوبه في الحديث والنقاش هادئاً ومحترماً، وكان تواضعه يجذب إليه من يجلس معه، حتى أصبح محط احترام وتقدير زملائه في العمل.

لم يكن بحاجة إلى رفع صوته أو إظهار نفسه ليحظى باحترام الآخرين؛ فقد كانت أخلاقه هي التي تتحدث عنه.

وكان من الرجال الذين يتركون أثراً طيباً في نفوس من يجالسهم، ولذلك لم تكن محبته مقتصرة على زملائه في المؤسسة العسكرية، بل امتدت إلى أبناء منطقته وكل من عرفه عن قرب.


خامساً: مكانته بين أبناء منطقته

رجلٌ اجتمع الناس على محبته

في منطقة قرقر وسائر محيطه الاجتماعي، كان الشهيد/ يسلم أمشعث يحظى باحترام واسع.

وكان من الرجال القلائل الذين لا يكاد الناس يختلفون على صفاتهم وأخلاقهم، فقد جمع بين الشهامة والتواضع والكرم وحسن التعامل.

وكان قريباً من الناس، يحترم الكبير ويقدر الصغير، ويتعامل مع الجميع ببساطة بعيداً عن التكلف.

ولهذا بقيت صورته في ذاكرة أبناء منطقته مرتبطة بالرجل الخلوق والشجاع الذي عاش بينهم، وعرفوه في حياته، ثم افتقدوه بعد رحيله.


سادساً: الحضور في الحراك الجنوبي السلمي

من الأخلاق إلى الموقف

مع انطلاق الحراك الجنوبي السلمي، في عام 2007م كان الشهيد من المبادرين إلى المشاركة في الفعاليات والمسيرات المطالبة بالحقوق التي كان يؤمن بها.

ولم يكن حضوره موسمياً أو عابراً، بل كان حاضراً في كثير من المسيرات والمظاهرات السلمية.

وكان يرى أن المشاركة في الفعاليات السلمية وسيلة للتعبير عن الموقف والمطالبة بالحقوق، ولذلك لم يتردد في الحضور والمشاركة كلما دعت الحاجة.

وأصبح وجوده في المسيرات والفعاليات أمراً مألوفاً لدى رفاقه ومحبيه، حتى ارتبط اسمه بتلك المرحلة من تاريخ الحراك السلمي.


سابعاً: حين اقتربت ساعة المواجهة

من ساحات المسيرات إلى جبهة لحج

ومع تصاعد الأحداث والاستعدادات العسكرية التي سبقت المواجهات في الجنوب، وجد الشهيد نفسه أمام مرحلة جديدة تختلف عن ساحات المسيرات والفعاليات السلمية.

فحين بدأت التحركات العسكرية، سارع الشهيد/ يسلم عبدالله علوي حسين أمشعث إلى حمل سلاحه الشخصي والتوجه إلى جبهة لحج، مشاركاً في الدفاع عن العقيده والوطن.

وكان انتقاله إلى الجبهة تعبيراً عن شجاعته واستعداده لتحمل المسؤولية في الظروف الصعبة.

فالرجل الذي عرفه الناس متواضعاً وهادئاً في حياته اليومية، كان في الوقت نفسه يحمل روحاً شجاعة لا تتردد عندما يرى أن عليه واجباً ينبغي القيام به.


ثامناً: يوم الشهادة

31 يناير 2015م... يومٌ لا يُنسى في ذاكرة سرار

في 31 يناير 2015م، ارتقى الشهيد البطل يسلم عبدالله علوي حسين أمشعث شهيداً في جبهة لحج.

وكان رحيله في عز شبابه خسارة مؤلمة لأسرته وأهله ورفاقه وأبناء مديرية سرار، والجنوب بشكل عام، فقد فقدت المنطقة والوطن واحداً من رجالها الذين جمعوا بين الشجاعة والأخلاق والتواضع.

وهكذا انتهت رحلة رجل لم يعش عمراً طويلاً، لكنه استطاع خلال سنوات حياته أن يترك أثراً عميقاً في نفوس كل من عرفه.

لقد رحل الجسد، لكن الصفات التي عُرف بها بقيت حاضرة في ذاكرة الناس: الكرم، والشهامة، والشجاعة، والتواضع وحسن الخلق.


تاسعاً: أبٌ ترك وراءه امتداداً لسيرته

«هذا الشبل من ذاك الأسد»

كان الشهيد/ يسلم عبدالله علوي حسين أمشعث «أبو مختار» متزوجاً وأباً لسبعة أبناء، خمسة ذكور وابنتين.

وقد ترك وراءه أبناءً يحملون اسمه وذكراه، ويواصلون حياتهم مستلهمين من والدهم ما عرف عنه من الأخلاق والشهامة وحسن السيرة.

وما أجمل أن تبقى أخلاق الرجل حاضرة في أبنائه، فيرى الناس شيئاً من صفاته في الجيل الذي تركه خلفه.

وكما يقول المثل العربي:

هذا الشبلُ من ذاك الأسد.

فالأبناء يحملون اسم أبيهم، وأعظم ما يمكن أن يرثوه عنه السيرة الطيبة والأخلاق والمواقف.


عاشراً: أربعون عاماً... وسيرة أكبر من العمر

عاش الشهيد /يسلم أمشعث نحو أربعين عاماً، لكنها كانت كافية لأن يترك بصمته في أكثر من مجال.

بدأ حياته في بيئة بسيطة، بين أهله وأبناء منطقته، وتلقى تعليمه في مدرسة سرار، وكان من الطلاب المتفوقين، ثم انتقل إلى الحياة العسكرية في سن مبكرة.

وفي المؤسسة العسكرية عرفه زملاؤه بأخلاقه وتواضعه، وفي مجتمعه عرفه الناس بالشجاعة والشهامة، وفي الحراك السلمي عرفه رفاقه بالحضور والمشاركة، وعندما وصلت الأحداث إلى مرحلة المواجهة، كان حاضراً في جبهة لحج.

وهكذا تتابعت فصول حياته من المدرسة إلى المؤسسة العسكرية، ومن المجتمع إلى ساحات الحراك، ثم إلى جبهة القتال، حتى ختم حياته شهيداً.


في الختام

رحل الشهيد يسلم أمشعث... وبقيت أخلاقه شاهدة عليه

إن الحديث عن الشهيد يسلم عبدالله علوي حسين أمشعث «أبو مختار» ليس حديثاً عن رجل رحل فحسب، وإنما هو حديث عن سيرة إنسان ترك وراءه صورة جميلة في ذاكرة كل من عرفه.

كان فقيراً في نشأته، لكنه كان غنياً بأخلاقه.

كان متواضعاً في حياته، لكنه كان كبيراً في مواقفه.

كان قريباً من الناس، فبادلوه المحبة والاحترام.

وعندما جاءت اللحظة التي رأى فيها أن عليه واجباً، لم يتردد في الذهاب إلى جبهة لحج، وهناك ارتقى شهيداً في 31 يناير 2015م.

لقد خسر الوطن، وخسرت مديرية سرار، وخسرت أسرته ورفاقه رجلاً شجاعاً في مقتبل العمر، لكن ذكراه بقيت حاضرة بما تركه من سيرة طيبة وأخلاق كريمة.

وإذا كان الموت قد أنهى سنوات حياته، فإنه لم يستطع أن ينهي أثره، لأن الرجال لا تبقى أعمارهم في عدد السنين التي عاشوها، وإنما تبقى في ما تركوه من أخلاق ومواقف وذكريات في قلوب الناس.

رحم الله الشهيد البطل/ يسلم عبدالله علوي حسين أمشعث «أبو مختار»، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه خالدة بين أهله ورفاقه وأبناء مديرية سرار.

من كتاب (الخالدين)

للمؤلف/ الأستاذ عبدالوهاب العمري