آخر تحديث :الأربعاء-26 أغسطس 2026-11:15م
وثائقيات


محمد أحمد اليزيدي.. حين يصبح التكريم اعترافًا بمسيرة أحد عمالقة التربية والتعليم

محمد أحمد اليزيدي.. حين يصبح التكريم اعترافًا بمسيرة أحد عمالقة التربية والتعليم
الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - 10:01 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

ليس كل تكريمٍ يُمنح لشخصٍ ما مجرد احتفاءٍ عابر، فهناك تكريمات تأتي بوصفها شهادة وفاء لمسيرة طويلة، واعترافًا بما تركه صاحبها من أثرٍ يتجاوز حدود الوظيفة إلى فضاء الإنسان والوطن والمجتمع. ومن هذا النوع الرفيع من التكريم يأتي تكريم الأستاذ محمد أحمد عبدالله اليزيدي، أحد الأسماء البارزة التي ارتبطت بتاريخ التربية والتعليم في بلادنا، وخصوصًا في محافظتي المهرة وأبين.

فحين يُكرَّم رجلٌ أمضى عقودًا من عمره في ميدان التربية، وشغل مواقع قيادية وتربوية رفيعة، وظل اسمه مقترنًا بالنجاح والنزاهة وحسن الإدارة، فإن التكريم لا يكون لشخصه فحسب، وإنما يكون تكريمًا لجيلٍ آمن بأن التعليم رسالة، وأن بناء الإنسان هو أعظم ما يمكن أن تقدمه الأوطان لأبنائها.

لقد كان الأستاذ محمد أحمد اليزيدي من رواد التعليم في محافظة المهرة، ومن أوائل المعلمين الذين حملوا رسالة العلم إلى المحافظة عام 1968، في مرحلة كانت فيها مسيرة التعليم في بدايات تشكلها، وكانت الحاجة إلى المعلم الواعي والمخلص أكبر من مجرد الحاجة إلى موظف يؤدي عملًا روتينيًا.

ومن المهرة بدأت حكاية رجلٍ جعل من التربية والتعليم مشروع حياة، ومن المدرسة فضاءً لبناء الإنسان، ومن الإدارة التربوية مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون منصبًا وظيفيًا.

ثم انتقل إلى مواقع قيادية أكبر، فتولى منصب مدير عام التربية والتعليم بمحافظة أبين خلال الفترة من عام 1978 إلى عام 1991، وهي مسؤولية كبيرة في مرحلة مهمة من تاريخ المحافظة، استطاع خلالها أن يرسخ نموذجًا للإدارة التربوية القائمة على الانضباط والكفاءة والاهتمام بالمعلم والطالب والمؤسسة التعليمية.

ولم يكن حضوره الإداري منفصلًا عن حضوره الفكري والتربوي؛ فقد كان من الشخصيات التي جمعت بين الخبرة الميدانية والرؤية التعليمية، الأمر الذي أهله لتولي مسؤوليات وطنية في المجال التربوي والثقافي، ومنها عمله أمينًا عامًا مساعدًا للجنة الوطنية اليمنية للتربية والثقافة والعلوم �اليونسكو�.

وهذه المواقع، على اختلاف مستوياتها، لم تكن هي التي صنعت مكانته، بل كانت انعكاسًا لما امتلكه من كفاءة وخبرة واستقامة، حتى غدا اسمه شاهدًا على مرحلة من مراحل التربية الوطنية، وواحدًا من رجالاتها الذين تركوا أثرًا في المؤسسات والأجيال معًا.

إن القيمة الحقيقية في تجربة الأستاذ اليزيدي لا تكمن في عدد المناصب التي شغلها، وإنما في الطريقة التي شغل بها تلك المناصب؛ فقد كان مثالًا في النزاهة والنجاح والإبداع الإداري والالتزام بالقيم التربوية، مؤمنًا بأن المسؤولية ليست وجاهةً ولا امتيازًا، وإنما أمانةٌ يُسأل عنها صاحبها أمام الله والناس والتاريخ.

ولذلك فإن تكريمه في المهرة من قبل قبائل يافع المهرة، ممثلةً بالشيخ وزير بن حسن الحميري اليافعي، في الحفل السنوي السابع لتكريم الأساتذة وأوائل الطلاب من أبناء قبائل يافع بالمهرة لعام 2026م، يكتسب دلالة خاصة؛ لأنه يضع واحدًا من رواد التربية في موضعه الطبيعي بين أهل الوفاء والتقدير، ويعيد إلى الواجهة سيرة رجلٍ أعطى للتعليم من عمره وفكره وجهده ما يستحق أن يُروى للأجيال.

إن الأمم لا تحفظ أسماءها العظيمة بكثرة الألقاب، وإنما بما يتركونه خلفهم من أثر. والأستاذ محمد أحمد اليزيدي واحد من أولئك الذين يمكن قراءة أثرهم في أجيالٍ تعلمت، ومعلمين تخرجوا، ومؤسساتٍ تربوية تطورت، وتجربةٍ إدارية تركت بصمتها في مسيرة التعليم.

لقد كان من عمالقة التربية والتعليم؛ لا لأن المناصب الرفيعة مرّت به، بل لأن الرجل ظل أكبر من المنصب، وظلت رسالته التربوية أوسع من حدود الوظيفة.

وحين يأتي التكريم بعد عقود من العطاء، فإنه لا يضيف إلى المكرَّم قيمةً جديدة بقدر ما يكشف للأجيال قيمةً كانت قائمة منذ زمن. فالتكريم هنا ليس صناعة مجد، وإنما استعادة لمجدٍ صنعه صاحبه بالعمل والصبر والعلم والنزاهة.

سلامٌ على أولئك الذين جعلوا التعليم رسالة، والإدارة أمانة، والنجاح مسؤولية، وخدمة الناس شرفًا.

وسلامٌ على الأستاذ محمد أحمد اليزيدي، الذي اختار أن يترك أثره في الإنسان، فبقي أثره في الذاكرة.

إنه تكريمٌ مستحق لرجلٍ يستحق أكثر من لوحةٍ تذكارية وكلمات ثناء؛ يستحق أن تُروى سيرته بوصفها صفحة مضيئة من صفحات تاريخ التربية والتعليم في المهرة وأبين وصنعاء، وأن تعرف الأجيال القادمة أن في تاريخها رجالًا حملوا راية العلم بإخلاص، ومضوا دون ضجيج، لكنهم تركوا وراءهم ما هو أبقى من الضجيج: أثرًا لا يمحوه الزمن.

/أحمد يسلم