آخر تحديث :الأربعاء-26 أغسطس 2026-05:44م
أخبار محلية


من الكرم العابر إلى الأثر الخالد

من الكرم العابر إلى الأثر الخالد
الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - 05:44 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

هناك سؤال يستحق أن نطرحه بكل محبة، وبشيء من الجرأة، على رجال المال والأعمال في يافع:

إذا كان في مقدور رأس المال أن يبني طريقًا، فلماذا لا يبني خزانًا؟

وإذا كان قادرًا على فك كربة إنسان، فلماذا لا يساهم في فك كربة وطن؟

وإذا كان يستطيع أن يترك أثرًا جميلًا في حياة فرد، فلماذا لا يترك أثرًا يمتد إلى أجيال؟

يافع عُرفت برجالها، وعُرف رجالها بالكرم والجود، وبالوقوف إلى جانب الناس في الشدائد.

كم من رقبة أُعتقت، وكم من مريض أُعين، وكم من معسر فُرّجت كربته، وكم من مشروع طريق امتدت إليه أيادي الخير.

وهذا تاريخ جميل نفتخر به.

لكن اليوم، ربما حان الوقت لكي ننتقل بالكرم من مساعدة تنتهي بانتهاء الحاجة، إلى مشروع يبقى أثره ما بقيت الحياة.

دعونا نستثمر في الماء... قبل أن نبحث عن الماء

كثر الحديث عن الاستمطار الصناعي، وكأن مشكلتنا كلها في السماء.

لكن السماء قد تجود علينا، ثم تضيع النعمة لأننا لم نجهز لها الأرض.

قد تهطل الأمطار بغزارة، ثم تمر السيول أمام أعيننا، ونقول بعدها:

ليتنا حفظنا منها شيئًا!

فلماذا لا يكون لرجال المال والأعمال مشروع وطني كبير لحصاد مياه الأمطار؟

خزانات استراتيجية.

سدود وحواجز مائية.

كرفانات وحواجز صغيرة في مجاري السيول.

منشآت لحفظ مياه الأمطار والاستفادة منها في الزراعة والشرب وتغذية المياه الجوفية.

بدلًا من أن ننفق أموالًا كثيرة على حلول مؤقتة، لماذا لا نضعها في أصول تبقى للأجيال؟

المطر من السماء، لكن حفظ المطر مسؤوليتنا.

وماذا عن البن؟

يافع واحدة من البيئات التي يمكن أن يكون لها شأن كبير في زراعة البن.

فلماذا لا يتبنى رجال المال والأعمال مشروعًا نوعيًا لإنشاء مختبر متخصص للزراعة النسيجية للبن، في إحدى عواصم زراعة البن، أو حتى خارجها؟

مختبر ينتج شتلات سليمة وذات جودة عالية، ويساعد على نشر زراعة البن، ويحافظ على الأصناف الجيدة، ويقدم المعرفة والتقنية للمزارعين.

ومثل هذا المشروع لا يخدم يافع وحدها، بل يمكن أن يخدم اليمن كاملًا في حال التوسع في إنتاج البن والنخيل نسيجيًا.

وهنا يفتح المشروع بابًا للاستثمار الزراعي، ويوفر فرص عمل، ويرفع الإنتاج، ويخلق سلسلة اقتصادية تبدأ من المختبر، وتمر بالمزارع، وتنتهي بالمنتج اليمني في الأسواق.

وهنا يصبح رأس المال شريكًا في الإنتاج، لا مجرد ممول للإنفاق.

الاستمطار... علم قبل أن يكون مشروعًا

أما الاستمطار الصناعي، فلا ينبغي أن يكون مجرد فكرة متداولة، أو إنفاقًا يسبق الدراسة.

المطلوب أولًا دراسات مناخية وفنية واقتصادية، يشارك فيها مختصون في الأرصاد والمياه والمناخ، لتحديد مدى الجدوى، والمواقع المناسبة، والظروف الجوية، والنتائج المتوقعة.

فإذا أثبت العلم جدوى إنشاء محطات للاستمطار الصناعي، فلماذا لا يبادر رجال المال والأعمال إلى تمويلها؟

وإذا أثبتت الدراسات الحاجة إلى أكثر من محطة، فلماذا لا تُقام في مواقع مدروسة، ضمن مشروع وطني واضح الأهداف والنتائج؟

لكن يبقى السؤال الأهم...

إذا أمطرت السماء... فأين سنضع الماء؟

من المطر إلى منظومة متكاملة

القضية ليست اختيارًا بين الاستمطار وحصاد مياه الأمطار، ولا بين الماء والزراعة.

القضية أن نبني منظومة واحدة تجمع:

الدراسة العلمية، والاستمطار عند ثبوت جدواه، وحصاد مياه الأمطار، والسدود والحواجز، وتغذية المياه الجوفية، والخزانات، والري الحديث، والاستثمار الزراعي، والزراعة النسيجية.

عندها يتحول المال من إنفاق عابر إلى أصل تنموي ينتج الماء والغذاء والعمل والأمل.

تخيلوا لو اجتمعت أيادي الخير.

تخيلوا أن مجموعة من رجال المال والأعمال قالت:

نريد أن نترك مشروعًا يحمل اسم يافع، أو يحمل اسم منطقة كذا وكذا.

مشروعًا يقول بعد سنوات:

هنا خزان حفظ مياه الأمطار.

وهنا سد أنقذ أرضًا من العطش.

وهنا مختبر أنتج ملايين شتلات البن.

وهنا مزارع عاد إلى أرضه.

وهنا شباب وجدوا فرصة عمل.

وهنا بدأت قصة جديدة للزراعة اليمنية.

أي مجد أجمل من هذا؟

رسالة ليست عتابًا... بل دعوة من القلب

هذه ليست دعوة لمحاسبة أحد، ولا انتقاصًا من جهود أحد، بل هي دعوة صادقة إلى توسيع دائرة الخير.

فالخير الذي يفك كربة إنسان عظيم، والخير الذي يبني طريقًا عظيم، لكن الخير الذي يبني مشروعًا منتجًا، ويحفظ الماء، ويزرع الأرض، ويوفر فرص العمل، ويخدم أجيالًا كاملة... أعظم وأبقى.

يا رجال المال والأعمال في اليمن...

أنتم تملكون رأس المال، واليمن تملك الأرض والماء والإنسان والخبرة.

وما ينقصنا أحيانًا ليس المال وحده، بل المبادرة التي تجمع المال بالعلم، والعلم بالمشروع، والمشروع بالمستقبل.

فلماذا لا تكونون أنتم أصحاب المبادرة؟

رسالتي إلى رجال المال والأعمال

لو أن كل رجل أعمال وضع جزءًا من أمواله في مشروع زراعي مستدام، ولو أن رجالًا اجتمعوا لإنشاء سد، وآخرين لإنشاء خزانات وحواجز مائية، وآخرين لإنشاء مختبر للزراعة النسيجية للبن والنخيل، وآخرين لإنشاء محطة للاستمطار الصناعي...

فماذا سيحدث لليمن بعد عشر سنوات؟

ربما لن نحتاج حينها إلى كثير من الكلام عن الجفاف والتصحر وانهيار الزراعة.

سنكون قد بدأنا بصناعة الحل.

أنتم أهل الجود، وهذه ليست دعوة للتخلي عن عاداتكم الجميلة، بل دعوة لأن نضيف إلى سجلها صفحة جديدة:

كرمٌ لا يطعم يومًا واحدًا فقط، بل يطعم أجيالًا.

كرمٌ لا يبني جدارًا فقط، بل يبني مستقبلًا.

كرمٌ لا يروي قصة رجل، بل يروي أرضًا محتاجة إلى الأحياء.

فربما أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله ليس بيتًا باسمه، ولا مالًا يتوارثه الأبناء...

بل مشروعًا يقول الناس كلما رأوه:

هنا مرّ رجلٌ أحب بلاده، فترك فيها خيرًا لا يموت.

م. عبدالقادر السميطي

دلتا أبين

26 أغسطس 2026م