آخر تحديث :السبت-22 أغسطس 2026-10:28م
أخبار وتقارير


جيلٌ أفنى عمره في الخدمة... وجيلٌ أفنى عمره في الانتظار

جيلٌ أفنى عمره في الخدمة... وجيلٌ أفنى عمره في الانتظار
السبت - 22 أغسطس 2026 - 08:27 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

م. استشاري/ عبدالقادر خضر السميطي

هناك سؤال هادئ في عبارته، لكنه كبير في دلالته، وربما يكون من أصعب الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها اليوم...

ماذا سيحدث لمؤسسات الدولة بعد سنوات إذا استمر التوقف عن التوظيف؟

هذه المشكلة هي قضية تتعلق بمستقبل مؤسسات الدولة وقدرتها على الاستمرار وأداء واجباتها.

فمع مرور السنوات، يتقاعد جيل كامل من الموظفين، ويغادر أصحاب الخبرة مواقعهم، بينما لا يجد الجيل الجديد فرصة للدخول إلى المؤسسات والتعلم واكتساب الخبرة منهم.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية...

جيل يتقاعد، وجيل جديد بلا خبرة، ومرافق تتناقص كوادرها، وشباب ينتظرون فرصة للعمل.

ومع استمرار هذا الوضع، قد نصل إلى مرحلة تكتشف فيها المؤسسة أنها لم تفقد موظفين فقط، بل فقدت جزءًا من ذاكرتها وخبرتها وقدرتها على أداء مهامها بالشكل المطلوب.

فالخبرة الإدارية والفنية لا تُنقل بين ليلة وضحاها، وإنما تحتاج إلى سنوات من العمل والتدريب والممارسة، ولهذا فإن إحلال جيل جديد محل جيل متقاعد يجب أن يكون عملية مدروسة ومتدرجة، لا أن ننتظر حتى تخلو المؤسسات من أصحاب الخبرة، ثم نبدأ في البحث عن البديل.

نحن لا نطالب بالمستحيل.

وأنا واحد من آلاف الموظفين الذين بدأوا حياتهم الوظيفية في أكتوبر عام 1977م، وما زالوا على رأس العمل حتى اليوم.

أمضينا سنوات طويلة من أعمارنا في خدمة مؤسسات الدولة، ولدينا سنوات خدمة تتجاوز المدة القانونية للتقاعد بأكثر من عشر سنوات، ومع ذلك ما زلنا في وضع يمكن وصفه بـ«التعليق الوظيفي»، فلا نحن حصلنا على حقوقنا ومستحقاتنا أسوة بمن تنتهي خدمتهم بصورة طبيعية، ولا أُتيح لنا أن نغادر مواقعنا ونفتح المجال أمام جيل جديد.

نحن لا نطرح هذه القضية من باب الشكوى الشخصية، ولا نطلب امتيازات خاصة، وإنما نطرح سؤالًا مشروعًا...

أليس من حق الموظف الذي أفنى عمره في خدمة الدولة أن يعرف مصيره بوضوح؟

فإما أن تُمنح له حقوقه القانونية وتتم معالجة وضعه، أو يُعاد تنظيم وضعه الوظيفي بصورة عادلة وواضحة، بحيث لا يبقى سنوات طويلة في منطقة رمادية؛ لا هو متقاعد يحصل على حقوقه، ولا هو موظف يحصل على ما يحصل عليه الموظف المستمر في الخدمة من علاوات وتسويات وامتيازات.

القضية أكبر من موظف وأكبر من وظيفة

إن استمرار هذه الأوضاع لا يضر الموظف وحده، بل يخلق مشكلة أخرى أمام مؤسسات الدولة نفسها.

فإذا ظل التوظيف متوقفًا، واستمر خروج أصحاب الخبرة دون إحلال جيل جديد محلهم، فمن سيحمل خبرة هذه المؤسسات بعد سنوات؟

ومن سيعلّم الموظف الجديد؟

ومن سيحفظ الملفات والتجارب والتراكم المعرفي الذي تكوّن خلال عشرات السنين؟

لذلك فإن التخطيط للمستقبل لا يبدأ عندما تنهار المؤسسة، بل يبدأ قبل أن تصل إلى مرحلة العجز.

نحن بحاجة إلى رؤية واضحة لإعادة بناء الجهاز الإداري، تبدأ بحصر القوى العاملة، ومعرفة أعمار الموظفين ومدد خدمتهم وتخصصاتهم، وتحديد الوظائف التي ستصبح شاغرة خلال السنوات القادمة، ثم إعداد جيل جديد يتدرب ويتعلم قبل أن يغادر أصحاب الخبرة مواقعهم.

وهذا أمر ضروري لحماية مؤسسات الدولة من فقدان خبراتها.

لا نريد أن نصل إلى السؤال بعد فوات الأوان

ربما يكون من السهل اليوم تأجيل القضية وتأجيل التوظيف، وتأجيل معالجة أوضاع من تجاوزوا سن الخدمة القانونية.

لكن السؤال الأصعب سيبقى قائمًا...

ماذا سنفعل بعد خمس أو عشر سنوات، عندما يغادر مزيد من أصحاب الخبرة، بينما لم يدخل إلى المؤسسات جيل جديد قادر على حمل المسؤولية؟

المطلوب ليس مجرد توظيف عشوائي، ولا فتح أبواب التوظيف دون دراسة، وإنما إدارة انتقالية عادلة ومدروسة بين جيل يغادر الخدمة وجيل يستعد لتحمل المسؤولية.

إنصاف الموظف القديم وفتح الطريق أمام الشاب الجديد ليسا قضيتين متعارضتين، بل إنهما وجهان لقضية واحدة اسمها:

استمرار مؤسسات الدولة.

فمن خدم الدولة لعقود يستحق أن تُصان حقوقه، ومن ينتظر فرصة للعمل يستحق أن تُفتح أمامه الأبواب.

وبين هذا وذاك، تبقى مسؤولية الدولة أن تضع رؤية للمستقبل، قبل أن يصبح النقص في الكوادر أزمة يصعب علاجها.

فالإنسان قد يتقاعد من الوظيفة، لكن خبرته لا ينبغي أن تتقاعد قبل أن تنتقل إلى جيل جديد.

وهذه ليست مطالبة بحقوق جيل مضى فقط، ولا مطالبة بوظائف لجيل قادم فقط، إنها دعوة هادئة إلى أن نحمي مؤسسات الدولة من أن تفقد خبرتها، وأن نحمي الشباب من أن يفقدوا الأمل.

فالعدل للجيل الذي خدم، والفرصة للجيل الذي ينتظر، والتخطيط للمؤسسة التي يجب أن تستمر.