كتب / محمد هدران
في ظل التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة لم يعد كافيًا الاكتفاء بتشخيص الأزمات أو إطلاق الشعارات العامة بل باتت الحاجة ملحّة إلى الانتقال نحو رؤية عملية تجعل من بناء المؤسسات وتحسين الأداء وتعزيز ثقة المواطن أساسًا لأي مشروع وطني مستدام. فالدولة القوية لا تُقاس فقط بما تملكه من هياكل وتشريعات وإنما بقدرة مؤسساتها على تحويل تلك الأطر إلى خدمات عادلة وملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
ومن هذا المنطلق فإن تنظيم العمل الحكومي وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة ووضع المواطن في صدارة أولويات الأداء العام تمثل مدخلًا أساسيًا لاستعادة الثقة وتعزيز الاستقرار. فحين تصبح الكفاءة والإنجاز والالتزام بالقانون معايير ثابتة للعمل تتجاوز المؤسسات ارتباطها بالأشخاص وتتحول إلى أدوات حقيقية لبناء الدولة وحماية مصالح المجتمع.
وما طرحه د. علي الزامكي في مقالاته يتقاطع بجلاء مع جوهر مشروعنا الفكري «بناء الدولة يبدأ من المؤسسة» إذ يُظهر التوافق على المقومات التالية:
الانتقال من «الشعار» إلى «الممارسة»: الخطاب الإعلامي قد يجذب الانتباه لكن وحده المخرج الخدمي والميداني العادل هو ما يبني شرعية الإنجاز.
المواطن كمركز للقياس: تحول الفلسفة الإدارية من اعتبار المواطن مجرد «طالب خدمة» إلى «مستفيد وركيزة لتقييم الأداء» هو الفارق بين الإدارة التقليدية والقيادة الاستراتيجية للقطاع العام.
استدامة الإصلاح: بناء ثقافة المؤسسة وترسيخ قيم الشفافية يضمنان عدم ارتهان جودة الخدمة بأشخاص المسؤولين بل بإنفاذ الأنظمة واستدامتها.
رسالة إلى القيادة العليا
إلى القيادة العليا الموقرة
إن استعادة ثقة الشارع والنهوض بمسؤوليات المرحلة الاستثنائية يتطلبان اليوم الانتقال السريع من استراتيجيات إدارة الأزمات إلى استراتيجية مأسسة الدولة.
إن شرعية أي سلطة حكيمة تتجلى في قدرتها على بناء مؤسسات كفؤة وعادلة ومستدامة تقدم خدمة ملموسة للمواطن وتحمي حقوقه وإن الخروج من حالة الانكماش التنموي والفجوة بين الشارع والمؤسسات يستدعي تبني «مشروع وطني شامل للقياس والشفافية» يجعل من رضا المستفيدين معيارًا حاسمًا لبقاء القيادات في مناصبها ويعيد ترتيب أولويات الإنفاق والتطوير نحو القطاعات الخدمية والإدارية الأكثر احتكاكًا بحياة الناس اليومية.
إن بناء الدولة لا يكتمل إلا عندما تشعر قواعد المجتمع أن المؤسسة الحكومية سياج أمان وملاذ عدالة.
وفي ختام هذه الرؤية نتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتور علي الزامكي على ما يطرحه من أفكار ورؤى جادة وما يقدمه من إسهامات فكرية تسهم في إثراء النقاش حول بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها. وإن مثل هذه الطروحات تفتح المجال أمام حوار مسؤول يضع المصلحة العامة في المقدمة ويؤكد أن بناء الدولة مشروع تشاركي تتكامل فيه الرؤى والخبرات وصولًا إلى مؤسسات أكثر كفاءة وعدالة ودولة أكثر قدرة على خدمة مواطنيها وصون حقوقهم.