آخر تحديث :الأربعاء-29 يوليو 2026-11:02م
أخبار وتقارير


صورةٌ تختصر حكاية وطن... ومحطة تنتظر من يُنصفها

صورةٌ تختصر حكاية وطن... ومحطة تنتظر من يُنصفها
الأربعاء - 29 يوليو 2026 - 10:28 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/متابعات

ليست هذه مجرد صورة لعربةٍ تجرّها الدواب وهي تحمل بعض المنتجات الزراعية، بل هي صورة تختصر حكاية سنوات طويلة من المجد، ثم سنوات أطول من الإهمال.

وقفت أمامها طويلًا، وكأنها تقول بصمت: هكذا أصبح حال إحدى أقدم محطات البحوث الزراعية في الوطن العربي.

كم يبدو المشهد مؤلمًا حين نتذكر أن محطة أبحاث الكود لم تكن يومًا بهذا الحال. فقد كانت في زمنها الذهبي تمتلك أسطولًا من السيارات والجرارات والآليات الزراعية، وسيارات الشحن التي كانت تتحرك كل صباح حاملةً ثمار البحث العلمي والإنتاج الزراعي.

كانت تنقل محصول الطماطم من المزرعة الرائدة التابعة لمحطة البحوث، والتي كانت مساحتها تتجاوز 500 فدان تقريبًا، إلى مصنع معجون الطماطم في الفيوش، وتحمل القطن إلى المحلج، وتنقل العمال من مقر إقامتهم إلى المحطة، في مشهد يجسد العلاقة المتكاملة بين البحث العلمي والإنتاج الزراعي والصناعة الوطنية.

وكانت الحقول تمتلئ بالتجارب، والباحثون يزرعون المعرفة قبل أن يزرعوا البذور، فينعكس أثرها على المزارع والإنتاج والاقتصاد.

أما اليوم... فإن هذه الصورة لا تدعونا إلى السخرية من وسيلة النقل، فلكل وسيلة احترامها، وإنما تدعونا إلى الوقوف أمام سؤال كبير: كيف كنا؟ وكيف أصبحنا؟ وكيف وصلنا إلى هذا الحال؟

أين يكمن الخلل؟

إننا نبحث عنه كما كان العرب يبحثون عن مربط الفرس، لأن ما نراه اليوم ليس تراجعًا في وسيلة نقل، بل تراجعًا في الاهتمام بالبحث العلمي، الذي كان ولا يزال حجر الأساس لكل نهضة زراعية حقيقية.

إن محطة أبحاث الكود ليست مبنى حكوميًا عاديًا، بل ذاكرة وطن، ومدرسة علمية، ومنارة خرجت أجيالًا من الباحثين والمهندسين الزراعيين، وأسهمت في تطوير المحاصيل وخدمة المزارعين لعقود طويلة. وكل تراجع يصيبها هو تراجع يمس حاضر الزراعة ومستقبل الأمن الغذائي.

وعندما نتأمل هذا المشهد، يخيل إلينا وكأن الحرب لم تنتهِ بعد. فالحرب ليست دائمًا أصوات المدافع، بل قد تكون أيضًا في إهمال المؤسسات العلمية وتركها تواجه الزمن بإمكانات لا تليق بتاريخها ولا برسالتها. إنها الحرب على التنمية بعينها.

إن إنصاف محطة أبحاث الكود ليس مطلبًا للعاملين فيها وحدهم، بل هو واجب وطني. فالدول التي تريد زراعة قوية تبدأ أولًا بتقوية مراكز البحوث، لأن المختبر هو المكان الذي تولد فيه الأفكار، والحقل هو المكان الذي تُترجم فيه تلك الأفكار إلى واقع.

ولو كنتُ مستشارًا لوزير الزراعة والري والثروة السمكية، لقدّمت له نصيحة أؤمن بأنها ستكون بداية الطريق لاستعادة مكانة البحث العلمي.

سأقول له: اجعل البحث العلمي قلب الوزارة النابض، لا إدارةً على هامشها. فكل ريال يُنفق على البحث العلمي يعود أضعافًا على المزارع والإنتاج والاقتصاد الوطني.

وسأقترح أن يحظى البحث العلمي بالنسبة الأكبر من ميزانية الوزارة، بما يضمن إعادة تأهيل محطات البحوث، وتوفير المعدات والآليات الحديثة، ودعم الباحثين وتمكينهم من أداء رسالتهم.

وسأقترح أيضًا أن يخصص لكل قطاع وإدارة عامة في الوزارة يومًا واحدًا على الأقل من كل شهر للعمل الميداني في محطة أبحاث الكود، حتى تبقى الصلة قائمة بين الإدارات والباحثين، وبين القرار والواقع.

كما أقترح أن يحرص الوزير على زيارة المحطة مرة كل شهرين على الأقل، لا كزيارة بروتوكولية، بل كجلسة عمل يستمع فيها إلى الباحثين، ويقف على احتياجاتهم، ويتابع ما تحقق من إنجازات وما يواجههم من تحديات. فوجود القيادة بين الباحثين يمنحهم الثقة، ويؤكد أن الدولة ما زالت تؤمن بأن نهضة الزراعة تبدأ من البحث العلمي.

إن محطة أبحاث الكود لا تطلب المستحيل، وإنما تطلب فرصةً لتعود كما كانت: منارةً للعلم، وبيتًا للخبرة، وجسرًا يصل بين المعرفة والأرض.

ولعل هذه الصورة، رغم ما تحمله من ألم، تكون بداية صحوة ورسالة صادقة إلى كل صاحب قرار: أنقذوا محطة أبحاث الكود... فالمؤسسات العريقة إذا سقطت، لا يخسرها العاملون فيها وحدهم، بل يخسرها وطنٌ بأكمله، ويخسر معها جزءًا من تاريخه وجزءًا من مستقبله.

استشاري م. عبدالقادر السميطي

عضو الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة

29 يوليو 2026م - دلتا أبين