في وطنٍ أثقلت كاهله الحروب ونهشته الصراعات، تبدلت الملامح وتشوهت الحقائق، ولم يعد غريبًا أن ترى القلم يُستبدل بالبندقية، وأن ترى محراب العلم يتحول إلى ثكنة. نعيش اليوم واقعًا مريرًا يتجاوز حدود المأساة الاقتصادية والسياسية، ليضرب عمق الهوية والمستقبل من خلال ظاهرة مرعبة يمكن تلخيصها في شقين: "عسكرة التعليم" و**"تعليم العسكرة"**.
المعلم في مهب الجوع
إذ لم يكن رحيل المعلم عن مدرسته وقريته ترفًا أو رغبة في خوض المغامرات، بل كان هروبًا مريرًا من واقعٍ سُدّت في وجهه كل سبل العيش الكريم. فبين مطرقة انقطاع الرواتب وسندان تدني الأجور، وجد التربوي نفسه عاجزًا أمام تسارع انهيار العملة المحلية والتضخم الجنوني في أسعار الغذاء والدواء.
وفي دولة لا تضمن لمواطنيها أدنى متطلبات الحياة الأساسية، من تأمين صحي، أو تيار كهربائي، أو خدمات آدمية، أصبح البحث عن "وظيفة عسكرية مؤقتة" في جبهات القتال هو طوق النجاة الوحيد، وإن كان طوقًا محفوفًا بالمخاطر والموت. هجر المعلمون فصولهم الدراسية مجبرين، تاركين وراءهم أجيالًا تتلمس طريقها في الظلام، ليتجهوا نحو متارس القتال بحثًا عن راتب يسد رمق أسرهم.
وعلى الجانب الآخر، لم يكن حال الطلاب بأفضل من حال معلميهم. فحين غاب القدوة، وتلاشت قيمة التعليم في مجتمع يطحنه الجوع، انصرف الطلاب إلى أحلام مؤجلة في محارق الموت. وبدلًا من أن تُبنى أحلام الشباب على الشهادات الجامعية والتطور المعرفي، ارتبطت أحلام الزواج، وتأمين المستقبل، وبناء الذات، بالرواتب العسكرية التي تضخها أطراف النزاع.
تحول هؤلاء الشباب من مقاعد الدراسة إلى وقود في محرقة حرب لا تنتهي. غادروا الفصول صغارًا، وعادوا -إن عادوا- في نعوش، أو عادوا ببنادق وجراح غائرة، مما خلق فجوة معرفية مرعبة تلتهم حاضر المجتمع ومستقبله.
الوجه الآخر للمأساة
الوجه الآخر لهذه المأساة هو ما يمكن تسميته بـ "تعليم العسكرة"، أي الجهل الذي يرتدي البذلة العسكرية، أو شرعنة الجهل داخل المؤسسة العسكرية ذاتها. فالأفراد الذين قطعوا دراستهم والتحقوا بالجبهات، ينخرطون اليوم في سلك عسكري يفتقر إلى البناء المؤسسي الصحيح. والأدهى من ذلك أن تجد بعضهم يترقى في الرتب العسكرية ويتبوأ مناصب قيادية، وهو لا يملك أدنى مؤهل دراسي أو معرفي.
إن هذه الظاهرة تتناقض جملةً وتفصيلًا مع مبادئ الانضباط والوعي التي يجب أن تقوم عليها العقيدة العسكرية. والنتيجة الحتمية هي فرد غير متعلم مدرسيًا، وغير مؤهل عسكريًا، يمتلك سلطة السلاح.
هذا المزيج القاتل يشكل خطرًا داهمًا؛ خطرًا على الفرد نفسه، الذي يجهل أبجديات التعامل مع السلاح، وخطرًا على الآخرين، وعلى المواطن الأعزل الذي يجد نفسه تحت رحمة فوهات بنادق يقودها الجهل والتعبئة الخاطئة.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد نتاج عشوائي للحرب، بل هو نتاج سياسة تجويع ممنهجة، وحروب جهل تُدار لإنتاج الفوضى. في هذا المناخ الموبوء، انقلبت الآية، واختلت الموازين الإنسانية والأخلاقية، وصار المشهد السائد ينطق بعبثية مطلقة: يعيش من لا يستحق الحياة، ويموت من لا يستحق الموت، على يد من لا يستحق الحياة.
لقد حُكم على المبدعين، والأطباء، والمعلمين بالموت الفعلي أو السريري، بينما تصدر المشهد أرباب الأزمات وتجار الحروب.
إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يبدأ بإعادة الاعتبار للمعلم والمدرسة، ووقف نزيف العقول نحو الجبهات. إن استمرار عسكرة التعليم، وتجهيل المؤسسة العسكرية، لن ينتج دولة، بل سينتج غابة يحكمها السلاح ويغيب عنها العقل. وإذا لم تدرك القوى الفاعلة خطورة هذا المنحدر، فإننا مقبلون على جيل كامل بلا وعي، وحينها ستكون كلفة الجهل أغلى بكثير من كلفة الحرب نفسها.