لم تعد الشائعة مجرد كلمة تُطلق في الفراغ، بل صارت سلاحاً موجهاً يستهدف صروح الخدمة العامة في أحلك الظروف. وفي محافظة أبين، يبرز *مستشفى الرازي* كنموذج حي لكيف يمكن للمعلومة المغلوطة أن تتحول إلى عائق أمام وصول المريض إلى حقه في العلاج.
البيان الذي أصدره *إعلام هيئة مستشفى الرازي* رداً على حملات "ارتفاع الرسوم" لم يكن دفاعاً عن مؤسسة فحسب، بل كان كشفاً لآليات تستهدف إسقاط الثقة بين المواطن ومؤسساته.
*أولاً: قراءة في معاني الرد وأدواته*
جاء رد المستشفى محملاً بأربع رسائل مركزية تكشف فلسفة الإدارة في التعامل مع الأزمة:
1. *منطق الأرقام مقابل منطق التهويل*: عندما تقول الإدارة "الرسوم في متناول الجميع" و "المعاينة 500 ريال" و "الطوارئ 6 آلاف حالة مجاناً شهرياً" فهي تنقل النقاش من دائرة "الغالي والرخيص" إلى دائرة "الموثق والقابل للقياس". هذه لغة تخاطب العقل وتكسر سردية "المبالغ الخيالية".
2. *الإنسان أولاً*: الإشارة إلى "الإعفاء الكامل للمعدمين" و "صرف الأدوية مجاناً حسب الإمكانيات" و "218 عملية مجانية" هي إعادة تعريف لدور المستشفى. لم يعد مجرد "مقدم خدمة" بل "ملاذ أخير" لمن لا ملاذ له. هنا يتحول الرد من نفي إلى إثبات قيمة.
3. *الشفافية كسلاح*: جملة "مكتب رئيس الهيئة مفتوح للجميع وعلى استعداد لإطلاعه على كل شيء بالوثائق" تمثل نقل المعركة من منصات التواصل إلى أرض الواقع. هي دعوة مفتوحة تقول: تعالوا واطلعوا بأنفسكم، وهو ما تفتقده عادة حملات التشويه.
4. *تسمية الأشياء بمسمياتها*: وصف من يقفون خلف الحملات بـ "أعداء النجاح ومأجورون" ليس انفعالاً، بل هو تشخيص لظاهرة. في بيئة تفتقر للموازنة التشغيلية حتى للمحاليل المخبرية، يصبح النجاح في تنظيم "أكبر مخيم جراحي" تهديداً لمصالح جهات اعتادت على الفشل.
*ثانياً: أثر الشائعات على خدمة الناس والمجتمع*
الضرر لا يتوقف عند سمعة المستشفى. لهذه الحملات تداعيات مباشرة:
- *صحياً*: المواطن البسيط الذي يسمع أن "العلاج غالي" قد يؤجل الذهاب للمستشفى، أو يلجأ لبدائل شعبية. والنتيجة تأخر تشخيص وتدهور حالة. شائعة واحدة قد تكلف حياة.
- *إدارياً*: تستنزف هذه الحملات طاقة الإدارة. بدلاً من أن ينصب التركيز على تطوير الأقسام وتوفير الدواء، يصبح نصف الجهد في الرد والنفي وتوثيق ما هو بديهي.
- *مجتمعياً*: الهدف الأخطر هو ضرب الثقة. عندما ينجح المشككون في إقناع الناس بأن "كل المؤسسات فاسدة"، ينهار العقد الاجتماعي. ويصبح المواطن عدواً لمؤسسته بدل أن يكون شريكاً في بنائها.
اعتراف منظمة "نهد" بأنها "لم تشهد مخيماً بهذا الحجم" يضع سؤالاً كبيراً: لماذا يتم استهداف نموذج نجاح في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لنماذج مضيئة؟
*ثالثاً: مستشفى الرازي.. نموذج الصمود بموازنة صفرية*
اللافت في قضية الرازي أنه صرح يعمل بـ *"موازنة تشغيلية ضئيلة "* ولا تغطي حتى المحاليل. ورغم ذلك يقدم خدمات متكاملة. هذا يفكك المعادلة الشائعة "لا خدمات بدون ميزانية".
ما يحدث في الرازي هو إثبات أن *الإرادة الإدارية والمهنية* يمكن أن تصنع الفارق. تركيزهم على التدريب والتأهيل، وتنظيم المخيمات الجراحية، واستهداف الحالات الحرجة مجاناً، يجعل من المستشفى مدرسة في الإدارة بالأزمة.
*الخلاصة*
بيان مستشفى الرازي لم يكن رداً فقط، بل كان درساً في إدارة الأزمات الإعلامية. قال للمجتمع: "لا تصدقوا كل ما تسمعون، وتعالوا بأنفسكم".
في النهاية، المعركة ليست بين مستشفى وشائعة. المعركة هي بين *من يريد البناء رغم العجز*، وبين *من يريد الهدم رغم توفر كل شيء*.
ويبقى السؤال للمجتمع في أبين: هل سنسمح لشائعة أن تهدم ما عجزت عنه الحرب؟ أم سنقف مع الصروح التي تثبت كل يوم أن العمل الإنساني لا يقاس بالميزانيات، بل بالإرادة؟