كتب/م. عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
إن مرافق لجنة أبين، أو ما يُعرف بـ"هيئة تطوير دلتا أبين"، لم تعد مجرد منشآت مهملة ومدمرة، بل أصبحت شاهدًا حيًا على حجم التدهور الذي طال البنية الخدمية بفعل الحروب والإهمال وسوء الإدارة، حتى باتت عرضة لمشاريع غير مدروسة تُهدد وظيفتها ومكانتها داخل النسيج الحضري للمحافظة.
إن التفكير في تحويل هذه المرافق إلى معسكرات داخل محيط سكاني مأهول يُعد خطأً فادحًا بكل المقاييس التخطيطية والأمنية والاجتماعية، ويعكس غياب الرؤية التنموية التي يُفترض أن تُدار بها المدن، لا أن تُستنزف من خلالها.
لقد وُجدت هذه المرافق لتكون ركيزة خدمية وتنظيمية، وكان الأجدر أن تُستعاد وتُرمم وتُعاد إليها الحياة، لا أن تُزج في مسارات تُعمّق الفوضى وتُشوّه هوية المكان. بل إن أبين اليوم أحوج ما تكون إلى إحياء هذه المساحات وتحويلها إلى مشاريع تنموية حقيقية، مثل مصانع للمنتجات الزراعية، أو كلية زراعية، أو حدائق عامة، أو منتجعات سياحية، أو أسواق حديثة، ومراكز خدمية تعود بالنفع على المواطن وتدعم اقتصاد المحافظة.
وفي هذا السياق، فإننا نوجّه دعوة صريحة وواضحة إلى السلطة المحلية في محافظة أبين بضرورة تحمّل مسؤولياتها التاريخية تجاه هذه المرافق التي دمرتها الحروب وأهملتها الظروف، والعمل الجاد على حمايتها وإعادة تأهيلها بما يخدم التنمية المستدامة.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد ترميم مبانٍ متهالكة، بل تبني رؤية اقتصادية واستثمارية حقيقية تجعل من هذه المرافق مصادر دخل منتجة، ترفد خزينة المحافظة بإيرادات مستمرة، وتوفر فرص عمل، وتعيد للمدينة جزءًا من عافيتها المفقودة.
فالمحافظة التي أنهكتها الأزمات لا تحتاج إلى مزيد من العشوائية، بل إلى قرارات شجاعة تعيد الاعتبار للمصلحة العامة، وتؤكد أن المرافق العامة ليست أرضًا مستباحة، بل ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها وتنميتها، لا تدميرها أو تغيير وظيفتها.
وللتاريخ نقولها بثقة: إن لجنة أبين، ومن بعدها هيئة تطوير دلتا أبين، كانت مؤسسة رائدة إلى درجة أن الدولة كانت تستدين منها مئات الآلاف من الدنانير لتمويل مشاريع تنموية في جنوب اليمن. وفي الوقت نفسه، كانت تُعد بمثابة وزارة زراعة مصغرة، لما كانت تمتلكه من أقسام وإدارات متخصصة تُعنى بكافة الجوانب الزراعية، وأسهمت لعقود في دعم التنمية الزراعية والاقتصادية بالمحافظة.