المعاناة القاسية الناتجة عن انقطاع التيار الكهربائي في ذروة الصيف بمدينة عدن، خصوصاً في ظل درجات حرارة تتجاوز أربعين درجة مئوية، تمثل مأساة حقيقية.
هذا الوضع يمس بشكل مباشر حياة المواطنين، لا سيما كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، مثل الفشل الكلوي وارتفاع ضغط الدم والسكري وجلطات الدماغ، حيث يتحول غياب الطاقة من مجرد أزمة خدمية إلى خطر داهم يهدد الحق في الحياة، ويؤدي بالفعل إلى ارتفاع مقلق في أعداد الوفيات.
إن استخدام الحرمان كأداة للإخضاع أمر تحظره المادة الرابعة والخمسون من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والتي تمنع تعطيل الأعيان والمرافق التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، مثل شبكات المياه والكهرباء التي تشغل المستشفيات وتؤمن ضخ المياه. وإذا ثبت أن هذا الحرمان يتم بصورة متعمدة وممنهجة لمعاقبة السكان أو إخضاعهم، فإنه قد يرقى إلى جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية باعتباره شكلاً من أشكال العقاب الجماعي.
وينطلق هذا التوصيف من أن أي منع متعمد لتدفق الوقود، أو عرقلة مقصودة لإصلاح محطات التوليد، أو استخدام ملف الخدمات كأداة للضغط السياسي أو العسكري من قبل أي طرف يملك السيطرة الفعلية، وما يترتب على ذلك من وفيات بين المدنيين، قد يدخل ضمن انتهاكات الحق في الحياة والعقاب الجماعي الممنهج.
وقد وصفت العديد من المنظمات الدولية، ومنها منظمة هيومن رايتس ووتش، الأوضاع الإنسانية والخدمية المتدهورة بأنها تمثل إخفاقاً خطيراً في الوفاء بالالتزامات القانونية تجاه السكان المدنيين.
وبموجب القانون الدولي، فإن الأطراف التي تسيطر فعلياً على الأرض، سواء كانت جهات حكومية أو إدارية أو أمنية، تتحمل مسؤوليات مباشرة تجاه السكان، وفي مقدمتها حماية الحق في الحياة والصحة، وضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وفي طليعتها الكهرباء والمياه.
كما أن غياب الصيانة، واستمرار الفساد في قطاع الطاقة، وتأخير توفير الوقود، يمكن أن يندرج ضمن انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهي ممارسات تستوجب المساءلة القانونية والقضائية محلياً ودولياً بحق المسؤولين عن التقصير أو الإهمال.
فلا تظنوا أن الشعوب المقهورة تنسى، ولا أن الحقوق تسقط بالتقادم، فالتاريخ يحفظ، والعدالة وإن تأخرت لا تموت، وإن غداً لناظره لقريب