في خطابه الأخير عام 1978، أطلق الشهيد سالمين مصطلح "القُرية" لوصف القوى المتطرفة التي ترفع شعارات أممية زائفة، بينما لا تتجاوز أمميتها حدود قراها الضيقة. وقد قال بوضوح إن هذه القوى تذبح الشعب من الوريد إلى الوريد بأوهامها، دون أن يحدد منطقة بعينها أو يربطها بمثلث برمودا السياسي للأزمات والحروب والتجويع. وكان تحذيره آنذاك بمثابة إنذار مبكر من خطر تحويل السياسة إلى شعارات فارغة تُستخدم كسلاح ضد الجماهير.
واليوم، وبعد عقود، يبدو أن اليمنيين باتوا يعيشون انعكاساً مشوهاً لذلك المفهوم، في ظل واقع سياسي يكرّس الانقسام ويعمّق الأزمات. ففي الوقت الذي تحولت فيه دول عربية مجاورة إلى اقتصادات كبرى وحققت تنمية ملموسة، لا يزال اليمن غارقاً في معضلة الحزبية التي أعاقت مسار التنمية واستنزفت موارد البلاد.
وقد تعاملت بعض الأحزاب اليمنية مع الوطن وكأنه إقطاعية خاصة، حيث اعتبر حزب المؤتمر الشعبي العام الدولة ملكاً له، فيما رأت أحزاب أخرى أن الوطن هو الحزب، وأن الوظيفة والمنصب والحق العام لا يُمنح إلا لمن كان تابعاً مطيعاً لا يفكر ولا يناقش، بل يتماهى مع قياداته. هذه الأحزاب، التي لا تمثل سوى نسبة محدودة من المجتمع، اختزلت الدولة في تنظيمات ضيقة لا تعكس معنى الحزب الوطني الحقيقي.
وفي زمن التكتلات الكبرى التي تتوحد فيها الدول وتبني اقتصاداتها، لا يزال اليمن يعيش حالة من التناحر والتشتت، في الداخل والخارج، نتيجة ما رسخته سنوات من تحويل الدولة إلى كيانات حزبية مغلقة. وقد حُرم المواطن اليمني من أبسط حقوقه في الصحة والتعليم والوظيفة العامة، فيما استأثرت قوى حزبية بالسلطة والثروة ووزعتها على دوائر ضيقة من المنتفعين.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى حوار وطني جامع يعيد الاعتبار للقضية الجنوبية ضمن إطار الحل الشامل للسلام في اليمن، بما يضمن معالجة عادلة ومنصفة لكل القضايا الوطنية. فهذا المسار ليس شعاراً عابراً، بل ضرورة تاريخية تفرضها الحاجة إلى لقاء شامل يحقق الشراكة الحقيقية بين مختلف المكونات اليمنية.
إن الجنوب ليس أداة للمتاجرة السياسية، كما أن اليمن ليس ساحة لتجارب حزبية متكررة. فالقضية أكبر من شعارات تُرفع أو خطابات تُلقى، إنها صراع بين مشروع وطني يسعى للعدالة والتنمية، وبين قوى حزبية اختزلت الوطن في مصالح ضيقة وتقاسم نفوذ.
إن اليمن اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع يتجاوز مفهوم "القُرية" ومحدودية التفكير الحزبي، ويؤسس لسلام عادل وشامل يقوم على العدالة والإنصاف، ويعيد للوطن معناه، وللمواطن حقه في حياة كريمة مستقرة.
مقال للمستشار جمال صالح لهطل الفضلي
3 مايو 2026م
العاصمة عدن