آخر تحديث :الإثنين-27 أبريل 2026-08:05م
أخبار وتقارير


الإرشاد الزراعي بين مطرقة الإهمال وسندان التحديات

الإرشاد الزراعي بين مطرقة الإهمال وسندان التحديات
الإثنين - 27 أبريل 2026 - 06:45 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

الإرشاد الزراعي هو، في جوهره، عملية تعليمية غير رسمية تُعنى بتطوير مهارات المزارعين وتوجيه سلوكهم نحو الأفضل...

وحين يغيب الإرشاد، يذبل الزرع ولو هطلت السماء مدرارًا؛ فالأرض لا تُثمر بالماء وحده، بل بعقلٍ يُرشدها، وفكرٍ يُنير دربها، وخبرةٍ تصون استمراريتها. وعندما يصمت العلم في الحقل، لا يكون الجفاف في التربة فحسب، بل يمتد إلى الوعي والإنتاج والمستقبل.

في زمنٍ مضى، لم يكن مركز الإرشاد الزراعي في محافظة أبين مجرد مبنى إداري أو اسمٍ على ورق، بل كان كيانًا حيًا يتجاوز أثره حدود المحافظة ليصل إلى مختلف مناطق الجنوب. كان جسرًا معرفيًا يربط بين الباحث والمرشد، وبين المعلومة والتطبيق، وبين الفكرة والتربة، حتى بدت الحقول وكأنها لوحات حياة نابضة بالعلم والعمل.

آنذاك، كان المركز جزءًا من منظومة متكاملة تتبع هيئة الإرشاد الزراعي في الوزارة، يحمل رسالة واضحة: إيصال المعرفة الزراعية إلى كل مزارع، وتحويل المعلومة إلى محصول، والتجربة إلى إنتاج، والطموح إلى أمن غذائي مستدام. وقد توفرت له ميزانية تشغيلية مكّنته من أداء دوره الفعلي في تنفيذ الحقول الإيضاحية والتأكيدية، بالتعاون مع الإدارة العامة للإرشاد الزراعي وهيئة البحوث، إلى جانب نشر الوعي الزراعي بأساليب عملية يلمسها المزارع في أرضه قبل أن يقرأها في كتاب أو نشرة.

كما كان قسم الإعلام الزراعي شريكًا فاعلًا في هذه المنظومة، يوثّق التجارب الناجحة، وينقل الخبرات، ويُضيء الطريق أمام المزارعين، في تكامل وطني يجمع الباحث والمرشد والمزارع ضمن رؤية واضحة وإمكانات حقيقية.

لكن مع التحولات الإدارية التي طرأت لاحقًا، وباسم التطوير والتجديد، تراجع هذا الدور تدريجيًا. فقد تحوّل المركز من كيان مستقل ذي تأثير واسع إلى قسم محدود ضمن إدارة الزراعة والري، وفقد غطاءه المالي وبرامجه التشغيلية الواضحة، لتصبح أنشطته مرهونة بالجهود الفردية للمرشدين والمتطوعين، الذين يحاولون الحفاظ على ما تبقى من هذا الدور الحيوي رغم شح الإمكانات.

إن الإرشاد الزراعي ليس نشاطًا ثانويًا يمكن اختزاله أو تهميشه، بل هو قلب الزراعة النابض، وعقل الزراعة المبدع، والبوصلة التي توجه الإنتاج نحو الجودة والاستدامة. وعندما يُقيد هذا الدور أو يُضعف، فإن الخسارة لا تقتصر على مؤسسة بعينها، بل تمتد إلى المزارع، والمحصول، والاقتصاد، والأمن الغذائي برمّته.

إن الواقع اليوم يفرض إعادة النظر بجدية في وضع مركز الإرشاد الزراعي في محافظة أبين، والعمل على إعادة اعتباره كمؤسسة مستقلة، سواء بتبعيتها لهيئة البحوث والإرشاد الزراعي أو ارتباطها المباشر بالوزارة، مع توفير ميزانية تشغيلية واضحة تمكّنه من أداء مهامه بكفاءة، بعيدًا عن القيود الإدارية التي حدّت من فاعليته.

فهذا المركز، الذي كان يومًا رائدًا في نشر المعرفة الزراعية وإقامة الحقول الإيضاحية، يستحق أن يستعيد مكانته ودوره، لا أن يُترك ليواجه التحديات بإمكانات شبه معدومة.

إن دعم الإرشاد الزراعي ليس مطلبًا إداريًا فحسب، بل هو استثمار حقيقي في الأرض والإنسان، وفي مستقبل الزراعة التي تمثل ركيزة أساسية للحياة في أبين واليمن عمومًا. وإذا أردنا إرشادًا زراعيًا فاعلًا، فلا بد أن يكون الدعم جادًا، والقرار شجاعًا، والرؤية واضحة، وأن يكون العلم في خدمة الأرض.

م. عبدالقادر السميطي

دلتا أبين

27 أبريل 2026م