في الذاكرة الشعبية مثلٌ بالغ الدلالة يقول: إذا كَثُر الطباخون فسد المرق.
وهو مثل لا يصف مطبخًا مزدحمًا فحسب، بل يُلخّص بدقة حال الأوطان حين تتعدد مراكز القرار، وتضيع المسؤولية، ويغيب النظام، وتُدار الدولة بالاجتهادات المتناقضة لا بالرؤية الواضحة.
واليوم، ونحن نتحدث عن استعادة الدولة، سواء بمسماها التاريخي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أو بمفهومها الجديد دولة الجنوب العربي، لا بد من مصارحة شجاعة:
فالدولة لا تُستعاد بالشعارات، ولا تُبنى بالهتافات، ولا بالتجمع في الساحات، ولا تُدار بالعاطفة، بل تُستعاد أولًا عبر القرار، والنظام، وهيبة القانون.
أولًا: الوظيفة والراتب… أساس الدولة
في مقدمة أي مشروع دولة حقيقية يأتي الملف الاقتصادي، وعلى رأسه الوظيفة والراتب.
فالوظيفة ليست منّة، بل حق مقابل واجب، والراتب ليس رقمًا في كشوفات، بل شريان حياة للأسرة، وركيزة للاستقرار المجتمعي.
الدولة التي تريد الانضباط لا بد أن تضمن:
وظيفة واضحة المعايير
راتبًا منتظمًا وعادلًا
دخلًا يلبّي الحد الأدنى من متطلبات العيش
ربط الأجر بالأداء والالتزام، لا بالولاءات والمحسوبيات
حين يشعر الموظف بالأمان الوظيفي والاستقرار المعيشي، يقل الفساد، ويزداد الإنتاج، وتستقيم مؤسسات الدولة.
أما دولة بلا رواتب منتظمة، فهي دولة تطلب الانضباط من بطون جائعة، وذلك يُعد أكبر وهم.
ثانيًا: تنظيم حمل السلاح… لا دولة والبندقية في الشارع
لا يمكن الحديث عن دولة ما دامت البندقية في الشارع كلعبة أطفال، والجميع يحملها.
ولا يمكن بناء دولة والنار مشتعلة في الشوارع، والسلاح حاضر في كل مناسبة.
منع حمل السلاح في المدن الرئيسية وعواصم المحافظات والمديريات، ومنع إطلاق النار في الأعراس والمناسبات، ليس ترفًا ولا اعتداءً على الأعراف، بل ضرورة سيادية.
فالدولة لا تقوم والبندقية أعلى من القانون، ولا يستقيم الأمن والرصاص يُطلق فرحًا ثم يعود حزنًا في الصدور.
الأمن هو الأساس، ومن دونه لا تعليم، ولا استثمار، ولا حياة كريمة.
ثالثًا: السكن… الاستقرار يبدأ من باب البيت
ومن ركائز الدولة كذلك ملف السكن.
فالمطلوب سياسة عادلة وواضحة تقوم على:
إعداد مخططات سكنية منظمة في كل المحافظات
منح كل موظف، بل وكل مواطن ينتمي إلى هذا الوطن، قطعة أرض
برسوم رمزية، دون تمييز بين موظف ومواطن عادي
المواطن الذي يمتلك بيتًا آمنًا يمتلك الاستقرار، ومن يملك الاستقرار يكون أكثر التزامًا بالقانون، وأكثر حرصًا على الدولة، وأقل قابلية للفوضى والانجراف.
رابعًا: القات والزَّرْدة… معول هدم لا قضية اجتماعية
ثم يأتي ملف القات، الذي لم يعد مجرد عادة اجتماعية، بل تحوّل إلى معول هدم اقتصادي وصحي وأمني.
منع دخوله إلى المدن الرئيسية ليس تشددًا، بل قرار دولة، ورسالة واضحة بأن الدولة عادت لتقرر لا لتساير.
ويأتي إلى جانبه الزَّرْدة (الشَّمّة)، التي دمّرت عقول الشباب قبل أجسادهم، واستنزفت الطاقات التي يُفترض أن تكون وقود التنمية لا ضحايا الإدمان.
فالدولة التي تحترم نفسها لا تترك شبابها فريسة لهذه الآفات، ثم تتساءل لماذا فشلت.
إن التجربة تقول بوضوح:
إذا أردتم النظام الذي كان معمولًا به سابقًا، فعليكم تطبيقه كاملًا،
دون انتقائية، دون مجاملات، ودون ازدواجية في تنفيذ القانون.
فالدولة لا تُبنى بنصف قرار،
ولا تعيش مع أنصاف الحلول.
أما إذا استمر التراخي، وتعددت الطباخات، واختلفت الوصفات،
فالنتيجة واحدة: مرق زائد الملح، فاسد، ودولة معطلة.
هل نريد استعادة مفهوم الدولة؟
ليس حنينًا إلى الماضي، بل استعادةً لمعناه:
قانون يُحترم، قرار يُنفّذ، وحق المواطن يُصان.
أما غير ذلك، فالحقيقة المؤلمة يجب أن تُقال بلا مواربة:
خربانة… خربانة… خربانة.
والسؤال الحقيقي اليوم ليس:
من يتحدث باسم الدولة؟
بل: من يملك الشجاعة ليمنع الفوضى، ويعيد للمرق طعمه الحقيقي؟
عبدالقادر خضر السميطي
الأردن – عمّان
10 فبراير 2026م