قبل الولوج في الحديث الطريف عن حكاية تقديم القضية الجنوبية كـ«مؤامرة صهيونية»، أتذكر حادثة طريفة حصلت معي حينما كنت مسافرًا من السعودية إلى اليمن عبر منفذي الطوال – حرض قبل ربع قرن.
أوصلني سائق الشركة التي كنت أعمل فيها إلى منفذ الطوال، ثم أجريت معاملة المغادرة، وأخذت سيارة هايلوكس إلى المنفذ اليمني. وعلى الطريق صادفت العشرات من المرحّلين اليمنيين، فرجوت السائق أن يحمل منهم ما أمكن لإيصالهم إلى المنفذ اليمني في حرض.
في نقطة الجوازات مرّ الجميع دون سؤال عن التأشيرة، فوجوههم مألوفة لدى القائمين على مكتب الجوازات هناك، وقد مرّ الجميع دون تفتيش. وكنت الوحيد الذي لديه جواز وتأشيرة مغادرة، لكنني قلت لنفسي: «لأجرب المرور ضمن المجموعة».
بيد أن رجل الحدود أوقفني قائلًا: أنت لست يمنيًا!
قلت له: أنا يمني مثل هؤلاء جميعًا.
قال لي: لا، أنت أجنبي.
سألته: كيف عرفت أنني لست يمنيًا؟
قال: أنت لا يمكن أن تكون يمنيًا، أنت نظيف ومهندم.
تذكرت هذه الطرفة بسبب الضجيج الذي أثارته قنوات إسطنبول وإعلاميوها عن فريق الصحفيين العالميين الذين غطّوا إحدى فعاليات ساحة العروض نصرة للقضية الجنوبية والمجلس الانتقالي بقيادة اللواء عيدروس الزبيدي، حيث قدّمت تلك القنوات وناشطوها هؤلاء الإعلاميين على أنهم مخابرات صهيونية، والدليل — بحسب زعمهم — بشرتهم البيضاء ولحاهم الحليقة وملابسهم الأنيقة، وكأنه لا يوجد في العالم أناس نظيفون وأنيقون وذوو بشرة بيضاء إلا الصهاينة.
ربط القضية الجنوبية بحكاية «المؤامرة الصهيونية» ليس دليل ذكاء سياسي أو تفوق تقني في الدعاية والتحريض السياسي، فأي دعاية أو تحريض يعتمدان على افتراض أن المتلقي غبي، وأنه لا يتابع إلا صاحب تلك الدعاية البلهاء، يكشفان أن صاحبهما ما يزال يعيش فترة ما قبل الصورة الإعلامية، بل ما قبل الصحيفة الورقية، وما قبل تعدد المنابر الإعلامية، فضلًا عن الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل الحدث في أقل من دقيقة.
يا هؤلاء
القضية الجنوبية بدأت يوم محاولة اغتيال الرمز السياسي والثقافي الجنوبي الأستاذ عمر عبد الله الجاوي، واغتيال الدكتور حسن الحريبي، عليهما رحمة الله، واستمرت يوم جرى قصف منازل القادة الجنوبيين في صنعاء، واغتيال أكثر من 150 سياسيًا جنوبيًا، وتقييد كل تلك الجرائم ضد مجهولين. وجاءت حرب 1994م لتتوج تلك العمليات، ولتؤكد أن يمنًا واحدًا بدولة واحدة أمر مستحيل، وأن وحدة الحرب لا تعني سوى الاحتلال والاجتياح والسلب والنهب والاغتصاب والتمييز والإقصاء، وتحويل الجنوب بأهله ومساحته وثرواته وشواطئه وموقعه الاستراتيجي إلى غنيمة حرب.
كل هذا جاء قبل أن تخرج الدولة الصهيونية عن علاقاتها الشكلية مع دولتي الحدود (مصر والأردن) بقرابة ربع قرن. وعليكم أن تتذكروا أن الناس عمومًا، وأبناء الجنوب خصوصًا، ليسوا بلا ذاكرة، وأنهم عصيّون على التجهيل والاستغفال. وإذا كنتم أغبياء فلا تتصوروا أن كل الناس مثلكم، أما إذا كنتم تتصنعون الغباء ادعاءً فعليكم أن تعلموا أنكم تقدمون الدولة الصهيونية العنصرية على أنها نصيرة للحق والعدل والإنصاف، وهذا ليس في مصلحتكم ولو معنويًا. أما المواطن الجنوبي فقد تجاوز مرحلة الكذب والتضليل والاستغفال، وصار أكثر دراية ومهارة من بعض أدعياء القيادة والريادة ومزيّفي الحقائق والتاريخ.