"كتب-فهمي السنيدي"
إن قراءة التطورات الإقليمية الأخيرة، وما يصاحبها من دخول حلفاء جدد إلى جانب السعودية، وتقارب في وجهات النظر مع الإمارات، من زاوية «محاربة الحوثيين» وحدها، لم تعد كافية لفهم حسابات الأطراف المختلفة. فالمشهد اليمني يتجاوز، في أبعاده السياسية والاستراتيجية، حدود المواجهة مع الحوثيين، ليتداخل مع ثلاثة ملفات رئيسية: أمن السعودية القومي، ومستقبل الجنوب اليمني، والتنافس الإقليمي على طبيعة السلطة وموازين النفوذ داخل اليمن. وهنا لا تكفي الشعارات المعلنة، بل الوقائع التي تفرض نفسها على الأرض، والقرارات التي تُتخذ حين تتصادم المصالح وتضيق مساحات المناورة.
ولا يخفى أن هذه الملفات مترابطة، لكن فهمها يقتضي التمييز بين الوقائع الثابتة التي تدعمها المؤشرات، والفرضيات التي لا تزال بحاجة إلى أدلة تؤكدها.
ومن هذا المنطلق، فإن الفرضية الجديرة بالنقاش هي أن الدعم العسكري والتحركات الدبلوماسية الجارية قد لا تستهدف بالضرورة استئناف حرب شاملة على الحوثيين، بقدر ما قد ترتبط بإعادة ترتيب موازين القوى داخل المعسكر المناهض لهم، وضبط العلاقة بين مكوناته، وضمان ألا تتحول المناطق الخاضعة لنفوذ التحالف إلى مصدر تهديد للأمن القومي السعودي، أو إلى ساحات صراع بين القوى الحليفة نفسها. فالصراع على اليمن لا يدور فقط حول من يواجه الحوثي، بل حول من يملك قرار الحرب والسلم، ومن يمسك الأرض، ومن يرسم ملامح المرحلة المقبلة.
فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يحارب الحوثيين، بل بمن يمتلك القرار، ومن يسيطر على الأرض، ومن يحدد مستقبل المناطق الخاضعة لنفوذ هذه القوى. وهنا يبرز سؤال مهم: كيف يمكن لقوى يمنية أن ترفع شعار مواجهة الحوثيين وتتحدث عن عدالة القضية الجنوبية، بينما في الواقع تنظر إلى أي تحرك سياسي يتعلق باستحقاقات الجنوب باعتباره تهديدًا يستوجب المواجهة، وتصنفه بأنه موجه ضد السعودية؟ إنها مفارقة تضع المواقف أمام امتحان صعب، وتكشف الفارق بين شعار يُرفع في الخطابات، وموقف يُختبر في اللحظات الحرجة.
إن هذه المفارقة تكشف حقيقة أولويات تلك القوى، ومدى جدية ومصداقية مواقفها، وما إذا كانت مناهضتها للحوثيين تنطلق من إرادة حقيقية في معالجة القضية الجنوبية التي يتغنى الجميع بعدالتها في الخطابات، وتتم مواجهتها في الواقع عسكريًا وسياسيًا..؟؟ أم أنها ترتبط، في جانب منها، بحسابات السلطة والنفوذ ومخاوف فقدان المكاسب السياسية والعسكرية إذا طُرح بحث القضية الجنوبية بشكل جدي.
وقد أشرنا في منشور سابق إلى أن أي توجه عملي نحو تحديد مستقبل الجنوب السياسي سيمثل اختبارًا حقيقيًا لمواقف هذه القوى. فالمواقف المعلنة قد لا تكشف حقيقة التوجهات بقدر ما تكشفها اللحظات التي تتعارض فيها المصالح، وتصبح فيها الخيارات السياسية أكثر وضوحًا وكلفة. ومدى استعداد هذه القوى للتعامل مع تطلعات الجنوب السياسية بوصفها قضية تستحق الحوار والحلول السياسية، لا باعتبارها تهديدًا يجب إجهاضه بالقوة. فالاختبار الحقيقي ليس في عدد الخصوم الذين تُعلن مواجهتهم، بل في القدرة على احتواء القضايا العادلة بدل تحويلها إلى جبهات جديدة.
حيث ترفض القوى السياسية الجنوبية تصوير أي تحرك جنوبي لتقرير مستقبل الجنوب بأنه معادٍ للسعودية. وهو رفض يضع النوايا أمام مسؤولية واضحة: عدم تحويل قضية الجنوب إلى ورقة ابتزاز أو ذريعة لتصفية الحسابات السياسية.
وما حدث في يناير المنصرم كشف تناقضات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ودفع بعض مكوناته إلى الاصطفاف في مواجهة القوى الجنوبية، حتى لو أدى ذلك عمليًا إلى إضعاف الجبهة التي تدّعي الدفاع عنها. وهكذا يظهر أن بعض الاصطفافات لا تُقاس بقوة العدو المشترك، بل بمدى الاستعداد للتضحية بالحلفاء عندما تبدأ الأسئلة الصعبة حول المستقبل والنفوذ.
ومن هنا، فإن التقارب السعودي الإماراتي، إن تطور إلى تفاهمات عملية بشأن اليمن، لن تكون أهميته في قدرته على توحيد الجهود ضد الحوثيين فحسب، بل أيضًا في الكيفية التي سيُدار بها الخلاف حول مستقبل الجنوب، وحدود النفوذ العسكري والسياسي لكل طرف، ومدى قبول الأطراف اليمنية بأن التسوية لا يمكن أن تقوم على إقصاء طرف أو مصادرة تطلعاته بالقوة.
الخلاصة أن المرحلة المقبلة قد لا تكون مجرد اختبار للقدرة على مواجهة الحوثيين، بل اختبارًا أعمق لطبيعة التحالفات ومصداقية الشعارات المرفوعة. فقد تتفق القوى على عدو مشترك، لكنها تختلف جذريًا عندما يتعلق الأمر بالاستحقاقات السياسية وتقاطع المصالح. وعندها يصبح الوزن الحقيقي للتحالفات هو ما تقدمه من حلول لا ما تطلقه من تصريحات، وما تحفظه من استقرار لا ما تفتعله من أزمات.
وعندها، يكون السؤال الأهم: من يقف في صف السعودية في مواجهة الحوثيين؟ عندما تصبح قضية الجنوب ومستقبله السياسي موضع اختبار فعلي؟ وهو سؤال لا تُجاب عنه الخطب، بل المواقف، ولا تُثبته الشعارات، بل الخيارات الصعبة.
ففي هذه اللحظة تحديدًا، ستتضح الفوارق بين مناهضة الحوثيين بوصفها موقفًا عسكريًا، وبين امتلاك مشروع سياسي قادر على استيعاب تعقيدات اليمن وتعدد قضاياه، من دون تحويل الخلافات الداخلية إلى صراعات جديدة تهدد أمن المنطقة واستقرارها. فمن لا يملك مشروعًا جامعًا لا يستطيع أن يحمي حتى جبهته التي يقف عليها.