رغم ما نعيشه من جراح يناير 2026م، حين تعرضت القوات الجنوبية في وادي حضرموت لمحاولة اجتثاث وإبادة أفرادها، وما تعرض له القادة الجنوبيون من اتهامات باطلة وتجريم زائف لا يستند إلى أي حجة قانونية، من قبل رشاد العليمي المقيم في عاصمة المملكة الشقيقة، فإننا لسنا سعداء بما تتعرض له المنشآت والمرافق المدنية في المملكة من ضربات بسلاح الجماعة الحوثية الحاكمة للجمهورية العربية اليمنية (السابقة). ونقول إننا لسنا سعداء لأننا نعتقد أن ضحايا أي اعتداء، سواء كانوا من أبناء المملكة الشقيقة أو من أي جنسية أخرى، هم إخوة لنا، بل قد يكون بينهم مواطنون يمنيون وجنوبيون.
لكن المنطق الاعتيادي البسيط يفرض علينا طرح السؤال الجوهري التالي:
لماذا يستأسد الحوثيون في وجه كل من يرفض سياساتهم وعنجهيتهم وعدوانيتهم؟ ولماذا لا يراعون ما أبدته المملكة تجاههم من تدليل وتنازلات؟
لقد كانت عاصفة الحزم، التي أعلنها الملك سلمان بن عبدالعزيز، تستهدف إنهاء الانقلاب الحوثي العفاشي وإعادة شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي إلى العاصمة صنعاء. وقد مضت اثنتا عشرة سنة، ولم يتحقق من أهداف العاصفة سوى تحرير المناطق الجنوبية على أيدي قوات المقاومة الجنوبية، بالتعاون مع الأشقاء في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبدعم من الأشقاء في المملكة العربية السعودية.
وعلى الصعيد الشمالي، فإن المواجهة «الشرعية» مع الحوثيين لم تسفر سوى عن سلسلة من الهزائم التي ألحقها الحوثيون بما يسمى «الجيش الوطني»، بقيادة علي محسن والمقدشي. وكان آخر تلك الهزائم تسليم أربع محافظات للجماعة الحوثية في أقل من شهرين خلال عام 2019م. وسنرجئ الحديث عن سقوط مديريات غربي تعز وميناء المخا خلال أربعة أيام في سبتمبر الماضي.
إن «الانتصارات» التي حققها الحوثيون لا تعود إلى تفوقهم السياسي أو الأخلاقي، ولا حتى إلى تفوقهم العسكري، أو إلى ما يقدمونه للمواطن الشمالي من مزايا وإغراءات، بل تعود إلى عدم أهلية الطرف الذي يواجه الجماعة، ممثلاً بالسلطات «الشرعية». ونقولها بصراحة ووضوح إن عوامل تفوق الجماعة الحوثية تتمثل فيما يلي:
1. سوء اختيار قوات التحالف العربي للشريك الشمالي
لم يدخل هذا الشريك في التحالف لغرض تحقيق أهداف «عاصفة الحزم»، بل لغرض الاستثمار في الحرب، حيث يعلم الجميع أن الكثير من القادة تحولوا إلى مليارديرات، وهم اليوم من كبار المستثمرين في تركيا ودول الخليج وبعض بلدان شرق آسيا.
2. توزيع الأدوار بين بعض القادة ومقربيهم
يتمثل ذلك في مناصرة بعضهم للشرعية، فيما يناصر آخرون الانقلابيين، إذ يمكن أن نجد قائداً كبيراً في قوات الطوارئ في حضرموت، مثلاً، يكون أخوه أحد قادة ألوية الجماعة الحوثية، أو مسؤولاً حكومياً كبيراً في الإعلام أو الثقافة أو حتى في مكتب الرئاسة، وله أقرباء في جبهات المواجهة ضمن صفوف الجماعة.
ولا يمكن أن نتوقع من هؤلاء القادة أن يكونوا جادين في مقاتلة إخوانهم وأهلهم، فأقرباؤهم في صفوف الحوثيين أقرب إليهم من المملكة ومن الرئيس الراحل هادي، أو حتى من رشاد العليمي.
3. الاستثمار في الحرب وإطالة أمدها
نقولها بصراحة: إن الكثير من القادة الذين يدّعون مؤازرة الشرعية والمشاركة في «عاصفة الحزم» يحرصون على إطالة أمد الحرب لتحقيق المزيد من الغنائم، المتمثلة في الدعم المالي واللوجستي، وقوائم الأسماء الوهمية، وبيع الأسلحة والعتاد ومواد الإعاشة. ويضيف هؤلاء عائدات ذلك كله إلى استثماراتهم، ليحصدوا من ورائه المليارات.
4. التنازلات السعودية للجماعة الحوثية
نقولها بكل صراحة إن الأشقاء في المملكة العربية السعودية قد دللوا الجماعة الحوثية بما لا تستحقه، سواء حينما ساهمت المملكة في الضغط من أجل توقيع اتفاق ستوكهولم، الذي أبقى ميناء الحديدة في أيدي الجماعة، أو حينما أرسلت سفيرها لزيارة صنعاء وإشعار الجماعة الحوثية وزعيمها بأنهما لم يعودا عدوين، وأن الجماعة أصبحت نداً، ليس فقط للشرعية الخائبة، بل للمملكة بكل مكانتها الإقليمية والدولية.
وينطبق ذلك أيضاً على مساعي المملكة لتوقيع خارطة الطريق، التي ستصبح الجماعة بموجبها، لا سمح الله، الحاكم بأمره في كامل الجغرافيا والديموغرافيا الشمالية والجنوبية.
لقد جعل ذلك الجماعة الحوثية تشعر بأنها لم تخطئ في حق أحد، وأن العالم بحاجة إليها، وهو ما دفعها إلى رفع سقف مطالبها، بعدما كانت تلك المطالب تقتصر على رفع الحصار وفتح المنافذ والمطارات.
كما اغتنمت الجماعة الحوثية فترة الهدنة ومحادثات مسقط لفرض ما تريده من شروط على المشاركين في المفاوضات، التي غُيِّب عنها الممثل الجنوبي، صاحب القضية التي قيل ذات يوم إنها مفتاح الحل لكل أزمات اليمن.
إننا نتألم للضحايا الذين يسقطون جراء الاعتداءات الحوثية، ونذكّر الجميع هنا بأن الجنوبيين عانوا أضعاف ما عانته بقية الأطراف، سواء في حرب 2015م، حين كان القناصة الحوثيون في عدن يستمتعون بقتل النساء والأطفال، وقصف مراكز النازحين وقتل المئات منهم، وإغراق زوارق اللاجئين في البحر، أو من خلال سقوط ضحايا الألغام التي زرعتها الجماعة في محيط عدن ولحج والضالع، والتي حصدت أرواح آلاف المدنيين، أو عبر ما يتعرض له الجنوبيون هذه الأيام في المناطق المجاورة لجبهات التماس على حدود الصبيحة وباب المندب وبيحان، وغيرها من المناطق الحدودية بين الجنوب والشمال.
إن المملكة الشقيقة مدعوة إلى مراجعة مواقفها إزاء جملة من القضايا، وفي مقدمتها ما يلي:
أ. إعادة النظر في اختيار الحلفاء من الأشقاء الشماليين
والتخلص من أثرياء الحرب والمستثمرين في إطالة أمدها.
ب. الكف عن تقديم التنازلات للجماعة الحوثية
فهذه الجماعة كلما حظيت بالاحترام، تضاعف لديها الغرور والشعور بالقوة والاعتقاد بعجز الآخرين، وبالتالي ترفع سقف مطالبها.
ج. معالجة النتائج الكارثية لما تعرضت له القوات الجنوبية في حضرموت في يناير الماضي
وذلك من خلال تعويض ضحايا الضربات الجوية، وإعادة الاعتبار للقادة الجنوبيين وللقوات المسلحة الجنوبية، التي برهنت على أنها القوة الوحيدة الصادقة في مواجهة جماعة الحوثي والقادرة على كسر شوكتها.
د. مراجعة الموقف من القضية الجنوبية
والإقرار بحق الشعب الجنوبي في استعادة دولته، والاعتراف بالحقيقة الماثلة أمام كل ذي عينين، وهي أن زمن الدولة اليمنية الواحدة قد انتهى ولن يعود، لأن عوامل بقائها قد تلاشت ولم يعد لها وجود.
إن الدولة الجنوبية القادمة لن تكون إلا جاراً صادقاً ومتعايشاً ومتفاعلاً إيجابياً مع جميع الدول الشقيقة في المنطقة والدول الصديقة. وإن العودة إلى وضع الدولتين ليست مصلحة جنوبية فحسب، بل هي مصلحة شمالية وخليجية وعربية ودولية أيضاً، لأن الدولة الجنوبية المدنية والديمقراطية ستكون صمام أمان لمكافحة الإرهاب وحماية الممرات المائية والطرق الدولية، التي ترتبط سلامتها بالعديد من المصالح الإقليمية والدولية.
وهذا ما برهنت عليه التجربة القصيرة خلال إدارة المجلس الانتقالي الجنوبي لبعض محافظات الجنوب خلال الفترة 2017–2025م.
هـ. إلغاء قرار حل المجلس الانتقالي الجنوبي والعقوبات الصادرة بحق القادة الجنوبيين
وذلك بإلغاء قرار حل المجلس الانتقالي الجنوبي، وإلغاء العقوبات الزائفة التي أصدرها رشاد العليمي بحق القادة الجنوبيين، واتُّخذت في العاصمة الرياض، ثم الإفراج عن قيادات المجلس الموقوفين في العاصمة نفسها، ليعودوا إلى حياتهم الطبيعية.
فحتى المجرمين يُفرج عنهم بضمانات، فما بالنا بضيوف استُدعوا للحوار، ثم أُجبروا على البقاء في البلد المضيف إلى أجل غير مسمى، رغم إرادتهم؟!
والله من وراء القصد.