كتب/أحمد عقيل باراس
مشاهدة صواريخ الحوثي تصل إلى نجران وجيزان والدمام وحتى إلى الرياض وأبها، وإرباك حركة بعض مطاراتها أو ضربها لأهداف حيوية مدنية، لا تعني أن المملكة العربية السعودية قد أضحت ضعيفة عسكريًا، ولا أن الحوثيين قد أصبحوا أقوياء. فمثل هذا الاستنتاج يفتقد إلى أبسط قواعد التحليل العسكري والتاريخي، كما أنه لا يتناسب مع الواقع.
ربما اكتسب الحوثيون خلال سنوات حروبهم الطويلة التي خاضوها في المراحل السابقة وحربهم الأخيرة خبرات عسكرية وتصنيعية وتقنية في مجال الحرب، بالاستفادة من خبراء ودعم الإيرانيين لهم، ما يجعلهم يتفوقون إلى حد ما على بقية القوى اليمنية الأخرى المناوئة لهم، لكنهم لم ولن يصلوا إلى المستوى الذي يجعلهم يتفوقون على القدرات العسكرية السعودية أو حتى يضاهونها، فلا وجه للمقارنة فيما بينهم، لا من حيث التسليح ولا من حيث العُدّة ولا العتاد.
ومن يتابع نشأة وتطور القوات المسلحة السعودية يجد أنها قد مرت بمراحل عدة وبتاريخ طويل انتقلت فيه من طور إلى آخر حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم. فقد أصبحت هذه المؤسسة العسكرية، بفضل الله وبفضل الاهتمام والرعاية اللذين حظيت بهما من قبل حكام هذا البلد منذ التأسيس وحتى يومنا الحاضر، مؤسسة على أعلى درجة من الاحترافية والمهنية، كان فيها الجندي السعودي حجر الزاوية بما امتلكه من شجاعة واستيعاب لمفاهيم وتقنيات العلوم العسكرية الحديثة.
فقد بنت المملكة جيشًا نظاميًا حديثًا يستطيع حماية دولة بمساحة 2.15 مليون كم مربع، وتأمين حدود مع ثماني دول، ويملك القدرة على ردع دول، ولن يعجز عن ملاحقة مليشيات وهزيمتها. إذ تمتلك المملكة سلاح جو هو الرابع على مستوى الشرق الأوسط، ولديها ثاني أكبر أسطول طائرات للإنذار المبكر (أواكس)، وشبكة دفاع جوي متعددة الطبقات هي الأكثر خبرة قتالية في العالم، حيث اعترضت أكثر من 400 صاروخ باليستي ومسيّرة. كما تحتل المملكة المرتبة 12 عالميًا في الإنفاق العسكري بـ 75.8 مليار دولار عام 2023 وفق معهد ستوكهولم SIPRI، مقابل مليشيا لا تملك حتى ميزانية دولة.
والدليل على أن هذه ليست حرب جيوش، أن أمريكا التي تملك 11 حاملة طائرات وآلاف المقاتلات، فشلت لـ 20 عامًا في القضاء على طالبان التي لا تملك طائرة واحدة. فهل هذا يعني أن أمريكا أضعف من طالبان؟
ولو كانت المسألة قوة تدميرية كما يفعل الحوثي في حربه معها، لاستطاعت المملكة مسح مناطق بأسرها من اليمن من الخريطة في أيام معدودة، إن لم يكن ساعات، بما تملكه من قوة جوية قادرة على إلقاء أطنان من المتفجرات يفوق ما أُلقي في حربي الخليج بأضعاف، لكنها لم تفعل، لأنها تخوض حربًا مقيدة أخلاقيًا وسياسيًا وقانونيًا، كما أنها لا تريد الإيغال في الإيلام والتدمير بالقدر الذي تريد إجبار هذه المليشيات على إنهاء انقلابها فقط، متوخية في ذلك أكبر قدر من ضبط النفس وتجنب الخسائر.
لقد ساعدت عوامل كثيرة الحوثيين، وليس قدراتهم، على إيذاء السعودية، بفعل تماهي دول عدة معهم للضغط عليها. وسواء بقصد أو بدونه، يرتكب الحوثيون اليوم حماقة كبيرة وحدهم سيدفعون ثمنها باهظًا بمواصلتهم اعتداءاتهم السافرة على مواقع مدنية حساسة في عمق أراضي المملكة، في الوقت الذي التزمت فيه المملكة بالتهدئة والحفاظ على السلام الهش طيلة السنوات الماضية، ظنًا منهم أنهم بذلك يستطيعون ابتزاز المملكة وإجبارها على تقديم تنازلات مباشرة، إما لهم بتركهم يبتلعون اليمن وينفذون مشروعهم العابر للحدود والمقلق للعالم، أو تقديم تنازلات أخرى غير مباشرة لبعض الدول لتحقيق مطالبها.
وختامًا، كل أمنياتنا ألا يستمر الحوثيون في اختبار صبر وحكمة المملكة، ويتوقفوا عن مغامراتهم وعن كونهم مجرد بيادق ينفذون أجندة غيرهم. ونتمنى ألا تنسيهم نشوة الفرحة والزهو وهم يرون صواريخهم تسقط على تلك المواقع المدنية ويشاهدون حالات الخوف والهلع التي تنتاب المواطنين والوافدين من نساء وأطفال. عليهم أن يدركوا ويتأكدوا أن ميزان القوى ليس في صالحهم أبدًا، إن لم يكن معدومًا تمامًا، وأن خيار المعركة المفتوحة معهم بالنسبة للجيش السعودي، والتي ظل يتجنبها طيلة الفترة الماضية لحسابات إنسانية، يظل خيارًا متاحًا، وإن كنا لا نتمناه.