آخر تحديث :الجمعة-11 سبتمبر 2026-12:15ص
وثائقيات


نقطة العلم والعماد: قراءة في ولاة التسمية المحلية عبر الوثائق الاستعمارية (1881–1967)

نقطة العلم والعماد: قراءة في ولاة التسمية المحلية عبر الوثائق الاستعمارية (1881–1967)
الجمعة - 11 سبتمبر 2026 - 12:15 ص بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

على الساحل الجنوبي لليمن، حيث تلتقي الرمال بالبحر، يقف مكان يُعرف اليوم باسم "نقطة العلم" شاهداً على تحولات تاريخية عميقة. هذا الاسم الذي يتردد على ألسنة السكان المحليين والمسافرين على طريق عدن-أبين، لم يكن مجرد تسمية عابرة، بل كان نتاجاً لتفاعل معقد بين الجغرافيا والتاريخ والقانون والوظيفة. لفهم كيف وُلد هذا الاسم، لا بد من العودة إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين كانت المنطقة مسرحاً لتحولات كبرى فرضتها متطلبات الإدارة الاستعمارية البريطانية.

في الثالث من مايو عام 1881، وُقعت اتفاقية ترسيم الحدود بين قبيلتي العبدلي والفضلي، وهي الاتفاقية التي أرست الأساس القانوني لتحديد معالم المنطقة. توضح وثائق "تقرير عن القبائل العربية المجاورة لعدن" أن منطقة العبدلي "تحدها من الغرب خط يبدأ من عمود حدودي يقع على بعد ميل تقريباً من البحر بالقرب من الحسوة، ويمتد في اتجاه شمالي شرقي إلى العَنَد، ثم يتجه غرباً مرة أخرى نحو العماد حيث يلتقي بالأراضي البريطانية." والعماد، التي ترد في الوثائق البريطانية باسم Imad أو 'Imad، هي التسمية الرائجة لدى السكان المحليين. كان هذا النص القانوني أول من رسّخ اسم العماد كمعلم حدودي رسمي في الوثائق الاستعمارية، ومنحها مكانة قانونية وتاريخية استمرت لعقود.

لم تتوقف التطورات عند هذا الحد، ففي عام 1882، وبموجب معاهدة شراء الأراضي من سلطان لحج، حصلت بريطانيا على شريط ساحلي واسع يمتد بين الحسوة والعماد. تشير المصادر العسكرية البريطانية إلى أنه "في عام 1882، تم زيادة إعانة السلطان وحصلنا عن طريق الشراء على 35 ميلاً من الأراقة الملحقة بشيخ عثمان، بين الحسوة و'العماد'!" وبحلول التاسع من نوفمبر 1886، أصدر مجلس الدولة في الهند قراراً يقضي بأن أحكام قانون حكومة الهند لعام 1870 "تنطبق على مستوطنة عدن وتوابعها في الوقت الحالي، بما في ذلك قرى الشيخ عثمان (12.8828° N, 44.9869° E) والعماد (12.9269° N, 45.0447° E) والحسوة (12.8242° N, 44.9769° E)، وجزيرة بريم وعدن الصغرى." وقد تكرر هذا النص في التقارير الإدارية اللاحقة، مثل التقرير الإداري لمستوطنة عدن لعام 1892-1893، مما يؤكد المكانة القانونية التي اكتسبتها هذه القرى.

مع ترسخ الوجود البريطاني، برزت الحاجة إلى تأمين الطرق التجارية التي تربط عدن بمنطقة أبين. كان المسار الساحلي الرئيسي، المعروف بطريق الساحل، الشريان التجاري الأهم في تلك الفترة. يوثق "كتيب الجزيرة العربية، المجلد الثاني، الطرق" الصادر عام 1917 هذا المسار بتفصيل دقيق، فيصف الطريق رقم 65 الممتد من عدن (12.7792° N, 45.0101° E) إلى شُقرة (13.2342° N, 45.3250° E). يبدأ المسار من عدن متجهاً شمالاً على طريق الشيخ عثمان، ثم يصل بعد ميلين إلى خور مكسر (12.8197° N, 44.9678° E) حيث توجد خطوط قوات عدن. عند الميل الثامن، يتفرع المسار يساراً إلى العماد (12.9269° N, 45.0447° E) على بعد حوالي ثلاثة أميال. ويستمر الطريق بعد ذلك ماراً بالحسوة العقربية (12.8242° N, 44.9769° E)، ثم مجهر، ثم وادي بنا (13.0094° N, 45.4056° E) الذي يبلغ عرضه 400 ياردة ويزداد إلى ميل في وقت الفيضان، ليصل أخيراً إلى زنجبار (13.1297° N, 45.3977° E)، أول قرية فضلية مهمة.

يؤكد "الطرق في الجزيرة العربية" الصادر عام 1915 هذا الوصف، مضيفاً تفاصيل عن طبيعة الأرض والمسير. يذكر أن الطريق من عدن هو طريق معبد لمسافة عشرة أميال حتى خور مكسر، ثم يسير على أرض مستوية والمسير جيد وصعب إلى العماد، التي وصفتها السيدة بنت بأنها "مجموعة بائسة من أكواخ الشجيرات حول دار." هذا الوصف الطبوغرافي الدقيق يكشف أن العماد لم تكن سوى قرية صغيرة، لكن موقعها على الطريق التجاري الرئيسي منحها أهمية استراتيجية كبيرة.

لم تكن العماد مجرد معلم جغرافي على الطريق، بل كانت نقطة تفتيش وجمرك متقدمة. فبعد اتفاقية 1881 ومعاهدة 1882، استحدثت مقيمية عدن مركزاً أمنياً وجمركياً عند القرية، كان يعمل على تحصيل رسوم دخول البضائع على السلع القادمة من أبين، وضبط تدفق السلاح نحو مستوطنة عدن. وقد اكتسبت المنطقة أهمية عسكرية متصاعدة، تجلت في تشكيل "قوات العماد" (Imad Levy) عام 1915 للقتال في المنطقة الخلفية ضد الأتراك وحلفائهم. يؤكد كتاب "القوات المسلحة في عدن 1839-1967" أن هذه القوات كانت "لمحاربة الأتراك وحلفائهم"، بينما يذكر "كتيب الجزيرة العربية" أنه "في ديسمبر، صدّ friendly Arabs، بدعم من كتيبة مشاة صغيرة، قوة تركية ومعادية كانت تتقدم نحو 'العماد'." كما يصف "التقرير العسكري عن محمية عدن" المنطقة بأنها "محطة صحية للقوات" مع مناخ مرهق، وخالية من الأمراض والأوبئة.

وهنا يبرز سؤال محوري: كيف تحول اسم "العماد" إلى "نقطة العلم"؟ الإجابة تكمن في الممارسة الاستعمارية المتمثلة في نصب سارية علم لتمييز أراضي المستوطنة المشتراة عن أراضي القبائل المجاورة. تشير المصادر والصور الفوتوغرافية إلى وجود "محطة سارية العلم" (Flag Staff Station) في عدن خلال الفترة 1905-1930، وكانت ترفع العلم البريطاني كرمز للسلطة. كما تشير الوثائق إلى وجود "عمود حدودي" بالقرب من الحسوة على الشاطئ الشمالي لميناء عدن. هذا السياق الأوسع لاستخدام البريطانيين لساريات العلم كرموز للسيطرة يدعم الفرضية القائلة بأن سارية العلم نُصبت عند نقطة التفتيش والجمرك قرب العماد، لتمييز أراضي المستوطنة عن أراضي الفضلي في السهول الرملية.

مع مرور العقود، تحول هذا المعلم المادي إلى اسم مكان راسخ. استعمل السكان المحليون والجمالة والكتّاب في عقود النقل وصفاً للمكان، فصاروا يقولون "نقطة العلم" لتمييزها عن "حصن العماد" الداخلي. وهكذا انتقل الاسم من وصف وظيفي بحت إلى اسم علم ثابت في الخطاب المحلي والإداري، بينما بقي اسم "العماد" مثبتاً في الوثائق الرسمية كمرجع قانوني وتاريخي.

يكشف الفحص الطبوغرافي عن فارق مكاني واضح بين الموقعين. تقع قرية العماد (12.9269° N, 45.0447° E) كقرية زراعية وسكنية، وهي المرجع القانوني والتاريخي للحدود منذ 1881. بينما تقع نقطة العلم (12.8722° N, 45.1388° E) كمركز أمني ومنفذ ساحلي، وتبعد نحو 4.5 كم إلى الجنوب الشرقي من موقع قرية العماد التاريخية. ويعود هذا الانزياح إلى انتقال حركة العبور من المسار الترابي القديم المار بالقرية إلى الطريق الساحلي المعبد، إضافة إلى أسباب جيولوجية واستراتيجية.

وهكذا، تُثبت السجلات البريطانية أن قرية العماد كانت المعلم الجغرافي والقانوني الأساسي في المنطقة منذ معاهدة 1881. وقد تدرّج المسار الساحلي المار بها من طريق قوافل إلى معبر جمركي رسمي ثم طريق سيارات معبد. وفي خضم هذا التحول الوظيفي والمكاني، نشأت التسمية المحلية "نقطة العلم" من رحم سارية الحدود التي نصبت هناك. وتُعرف نقطة العلم اليوم بأنها البوابة الشرقية لمدينة عدن، على بعد حوالي 12 كيلومتراً منها. وبينما ترسخ الاسم الجديد في الخطاب المحلي، بقي اسم "العماد" مثبتاً في الوثائق الرسمية كمرجع قانوني وتاريخي. هذه الحالة تمثل نموذجاً بامتياز لجغرافيا الإدراك، حيث يسبق الوعي الميداني الحدود الورقية، وتتحول المعالم المادية إلى أوعية للذاكرة والهوية المكانية


/من صفحة الدكتور وهيب عبدالله سعد على فيسبوك