آخر تحديث :الخميس-10 سبتمبر 2026-11:52م
مجتمع مدني


المسرح التشاركي في أبين.. رهان على الوعي لمواجهة تسرب الفتيات

المسرح التشاركي في أبين.. رهان على الوعي لمواجهة تسرب الفتيات
الخميس - 10 سبتمبر 2026 - 10:53 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/متابعات

بقلم / عوض آدم

لم تعد مشكلة تسرب الفتيات من التعليم في محافظة أبين مجرد رقم في إحصائية تربوية، بل تحولت إلى قضية مجتمعية معقدة تتقاطع فيها الأوضاع الاقتصادية مع العادات والتحديات الأمنية. وفي مواجهة هذا الواقع، اختار اتحاد نساء اليمن فرع أبين، بتمويل من صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA، أداة مختلفة: المسرح التشاركي. وهي تجربة جاءت لتقول إن التوعية لا تكون بالخطاب المباشر فقط، بل بالاقتراب من وجدان الناس عبر قصص تشبههم.

أقيمت الفعالية في مجمع بلقيس للبنات بزنجبار، ضمن مشروع "تمكين فتاة الريف"، وهي ليست عرضًا فنيًا عابرًا، بل محاولة جادة لإعادة تعريف التعليم بوصفه حقًا أساسيًا وضرورة اقتصادية واجتماعية، لا خيارًا ثانويًا يمكن الاستغناء عنه عند أول أزمة.

من الخشبة إلى الواقع

اللافت في المسرح التشاركي أنه لم يكتفِ بسرد المعاناة، بل جسّدها. فقدمت الفرق المسرحية مشاهد من حياة الفتيات الريفيات اللواتي توقف تعليمهن بسبب الفقر أو الزواج المبكر أو قناعات خاطئة. وهذا الأسلوب يحقق هدفين في آن واحد: يكسر حاجز الصمت حول القضية، ويمنح الأسر والمجتمع فرصة لمراجعة أنفسهم من دون خطاب اتهامي مباشر.

كانت الرسائل التي حملها العرض واضحة: تعليم الفتاة ليس رفاهية، بل استثمار في بناء جيل واعٍ ومجتمع قادر على النهوض. وهو ما أكدته الأمين العام لاتحاد نساء اليمن بأبين، الأستاذة عديلة الخضر، في كلمتها، حين وصفت تعليم فتاة الريف بأنه "السلاح القوي للارتقاء بالشعوب". وهذا التوصيف يضع التعليم في موضعه الصحيح، باعتباره أداة للتمكين الاقتصادي والاجتماعي، لا مجرد شعار إنساني.

شراكة مطلوبة لمعالجة جذرية

إن حضور مدير عام مكتب التربية والتعليم، الدكتور نبيل محمد مهيم، إلى جانب قيادات من مكتب الثقافة والسلطة المحلية بزنجبار والتربية في المديريات، يمنح الفعالية بعدًا مؤسسيًا مهمًا. فالتسرب الدراسي لا يمكن مواجهته من قبل منظمات المجتمع المدني وحدها. وكما قال الدكتور مهيم، فإن الحل يكمن في شراكة حقيقية بين المؤسسات التعليمية والمنظمات المدنية والداعمين الدوليين.

وهنا تكمن قيمة تدخل UNFPA. فالتمويل الأممي لم يذهب إلى دعم ورشة تقليدية، بل إلى مشروع يحاول أن يخاطب العقل الجمعي بلغة المجتمع نفسه: القصة والضحكة والدمعة والحوار بعد العرض. وهذا ما تحتاجه أبين تحديدًا، حيث تتضاعف الأعباء المعيشية على الأسر، فتدفع بعضها إلى تقديم "الضروري" على "المهم"، وتكون الفتاة من أول الضحايا.

إن نجاح المسرح التشاركي لا يُقاس بعدد الحضور، بل بما يتركه من أثر. فإذا استطاع أن يقنع أسرة واحدة بإعادة ابنتها إلى المدرسة، وإذا دفع معلمًا إلى متابعة طالباته المتغيبات، وإذا حرّك النقاش في المجالس حول أهمية تعليم البنات، فإنه يكون قد حقق غايته.

والتحدي الآن أمام اتحاد نساء اليمن وشركائه هو تحويل هذا الزخم إلى برامج مستدامة، مثل المنح الدراسية، والدعم النقدي المشروط بالالتحاق بالمدرسة، والتدريب الحرفي للفتيات المنقطعات عن التعليم، وتوعية الأمهات والآباء معًا. فلا يمكن فصل التعليم عن الواقع الاقتصادي.

إن تجربة زنجبار تؤكد أن معالجة التسرب تحتاج إلى أدوات جديدة تخرج من القاعات المغلقة إلى قلب المجتمع. والمسرح، حين يصبح مرآة صادقة لواقعنا، قد يكون من أقصر الطرق لإقناع الناس بأن مستقبل أبين لا يُبنى إلا بتعليم بناتها وأبنائها معًا.