آخر تحديث :الإثنين-31 أغسطس 2026-05:46م
وثائقيات

الشهيد البطل /صالح العِيدَة.. وُلِدَ يوم الثورة ومضى شهيداً على دربها
من حمّة اعصم إلى العند.. سيرة بطل لم تغيّره السنون ساحة المعركة لا تشبه أي ساحة

من حمّة اعصم إلى العند.. سيرة بطل لم تغيّره السنون 
ساحة المعركة لا تشبه أي ساحة
الإثنين - 31 أغسطس 2026 - 05:46 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص


ساحة المعركة ليست ساحة عادية، الدخول إليها ليس خطوة، بل عهد. عهد مع الموت يُبرم برضى كامل، لا تهزه قذيفة ولا توقفه صرخة مدفع.

لا يقتحمها إلا من امتلأ إيماناً بقضية عادلة، وعرف من البداية أن الطريق فيها فرعان لا ثالث لهما: نصر يُكتب للتاريخ، أو شهادة تُكتب في السماء.

هذه العقيدة ليست مستوردة. هي متجذرة في الجنوب منذ القدم. لم يزرعها الآباء في الأبناء بالكلام فقط، بل حملتها الدماء وتوارثتها الجينات. تكبر مع الطفل خطوة خطوة حتى تصبح جزءاً من نبضه.

وفي الجنوب هذه طبيعه متجذرة.

لكن حين نذكر منطقة حمّة، مديرية سرار، في محافظة أبين، فنحن نتحدث عن مدرسة أخرى للرجولة.

منطقة يولد فيها الطفل وفي فمه طعم الحرية. يرضع الكرامة من صدر أمه قبل الحليب، ويتعلم المجد من أول يوم يفتح فيه عينيه على الجبال.

رجالها كصخورها: صلابة لا تلين، وموقف لا ينحني. جبال حمه، ليست مجرد تضاريس، هي مرايا لطباع أهلها. شموخ يقابله شموخ، وثبات يقابله ثبات.

إنها حمّة.

حمّة الأصالة التي لا تشيخ.

حِمّة الكرم الذي لا ينضب.

حِمّة الجود الذي لا يُحسب.

حِمّة الشجاعة التي لا تساوم، والوطنية التي لا تُشترى.

ومن هذه الأرض خرج اليوم شهيد جديد ليضاف إلى قائمة شهداء مديرية سرار، محافظة أبين، قائمة كُتبت بالدم، وقُرئت بالفخر.

أنه الشهيد البطل/ صالح سعيد

ناصر حسين العيدة الجريري ابو سلام

من جبال حمّة وأعصم إلى ميادين البطولة والمقاومة


تمهيد:

حين يصبح الميلاد موعدًا مع التاريخ

ليست كل الولادات متشابهة، فهناك من يأتي إلى الدنيا في يوم عادي، وهناك من يفتح عينيه على الحياة في يومٍ يحمل في ذاكرة الشعوب معنى كبيرًا، فيصبح تاريخ ميلاده مرتبطًا بحدث لا تنساه الأجيال.

وفي الرابع عشر من أكتوبر عام 1963م، وفي الوقت الذي كان فيه أبناء الجنوب يعيشون مرحلة تاريخية مع انطلاق ثورة الرابع عشر من أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني، وُلد في إحدى قرى منطقة حمّة في قرية أعصم بمديرية سرار بمحافظة أبين طفلٌ سيحمل بعد سنوات صفات الثائر والمقاتل، وسيقضي حياته متنقلاً بين ميادين الخدمة العسكرية وساحات النضال.

إنه الشهيد البطل/ صالح سعيد ناصر حسين العيدة الجريري.

وكأن يوم ميلاده كان يحمل إشارة رمزية إلى الطريق الذي سيمضي فيه, فقد وُلد في يوم الثورة، ثم عاش حياته مؤمناً بما يراه قضية وطنية، حتى انتهت رحلته شهيداً في ميدان القتال.

ومن هنا يمكن القول:

لم يولد الشهيد/ صالح سعيد العيدة في يوم انطلاق الثورة فحسب، بل كأن الثورة وُلدت معه.


أولاً: حمّة... الأرض التي تصنع الرجال

في منطقة حمّة، حيث الطبيعة الجبلية الصعبة والقرى المتناثرة، تقع قرية أعصم التابعة لمديرية سرار بمحافظة أبين.

وهذه المنطقة ليست مجرد مكانٍ وُلد فيه الشهيد، بل كانت جزءاً أساسياً من تكوين شخصيته.

فالمجتمعات الريفية والجبلية تربي أبناءها على الصبر والتحمل، وتمنحهم قدرة خاصة على مواجهة مشاق الحياة، كما أن طبيعة المنطقة وما ارتبط بها من تاريخ اجتماعي ونضالي جعلت من الشجاعة والكرم وحسن الموقف قيماً حاضرة في حياة أبنائها.

ومن هذه البيئة وُلد الشهيد البطل/ صالح سعيد ناصر الجريري، ونشأ بين أهلٍ عرفوا بالكرم والشجاعة والتمسك بالأرض.

وكانت ملامح شخصيته تظهر مبكراً؛ فقد عُرف بالشجاعة والإقدام والرجولة والشهامة والكرم، وهي صفات لم تكن عابرة في حياته، بل رافقته منذ شبابه وحتى رحيله.


ثانياً: البدايات التعليمية

من مدرسة الشهيد عبدالله شيخ إلى زنجبار

بدأ الشهيد صالح سعيد ناصر الجريري تعليمه الابتدائي في مدرسة الشهيد عبدالله شيخ بمنطقة حمّة.

وفي تلك المرحلة الأولى من حياته، بدأ يتعرف إلى العالم من حوله، وتفتحت أمامه أبواب المعرفة، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى مدرسة البدو الرحل في زنجبار، عاصمة محافظة أبين.

وقد كانت سنوات الدراسة مرحلة مهمة في تكوين شخصيته، إلا أن الظروف الاجتماعية والتاريخية التي عاشها أبناء الجنوب في ذلك الوقت جعلت المؤسسة العسكرية تحظى بمكانة كبيرة في نفوس الشباب.

فكان الانضمام إلى السلك العسكري بالنسبة للكثير من أبناء ذلك الجيل حلماً وطموحاً، لما كانت تمثله المؤسسة العسكرية من انضباط وقوة ومسؤولية.

أما بالنسبة إلى الشهيد/ صالح سعيد العيده، فلم يكن الأمر مجرد حلم عابر، بل كان الطريق الذي وجد فيه نفسه، وبدأ من خلاله مرحلة جديدة من حياته.

ولم يتشرف بالمؤسسة العسكرية فقط، وإنما المؤسسة العسكرية تشرفت به.


ثالثاً: الجندي الذي لفت الأنظار

المليشيا الشعبية... بداية المسيرة العسكرية

في عام 1979م، التحق الشهيد بما كانت تُسمى آنذاك المليشيا الشعبية، لتكون هذه الخطوة بداية لمسيرة عسكرية طويلة.

ثم انتقل إلى اللواء 30 في محافظة المهرة، وانضم إلى سرية الاستطلاع.

وهنا بدأت شخصيته العسكرية تظهر بصورة أوضح، فقد جمع بين الجرأة والانضباط والالتزام، وأصبح حاضراً في المهام التي تتطلب يقظة وتحمل مسؤولية.

وكان احترام زملائه وثقة قيادته به نتيجة طبيعية لما أظهره من صفات، إذ لم يكن يؤدي واجباً وانتهى الأمر، وإنما كان يؤدي ما يوكل إليه بإخلاص، ويثبت حضوره في المواقف التي تحتاج إلى الرجال.

ومع مرور السنوات، أصبح واضحاً أن أمامه مستقبلاً عسكرياً مميزاً.


رابعاً: مهمة صنعت

اسمه وموقف

أمني بارز عام 1987م

في الفاتح من شهر فبراير من عام 1987م، نفذ الشهيد مهمة عسكرية برفقة عدد من زملائه، وأسفرت هذه المهمة عن القبض على ضابط بريطاني برتبة نقيب كان يقوم بالتجسس على حدود جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

وقد عُدّت هذه المهمة من المحطات البارزة في مسيرته العسكرية، وتم تكريمه من قبل وزارة الدفاع آنذاك تقديراً لدوره الكبير فيها.

وكانت هذه الحادثة نقطة تحول في مسيرته، إذ أكدت لقياداته وزملائه ما يتمتع به من شجاعة وقدرة على تنفيذ المهام، وأصبحت مؤشراً على الكفاءة التي كان يمتلكها.

وكان من المتوقع أن تفتح هذه المرحلة أمامه طريقاً واسعاً نحو الترقي والتقدم في السلك العسكري، غير أن الأحداث السياسية الكبرى كانت تقترب، وستغير مسار المؤسسة العسكرية وحياة كثير من أبنائها.


خامساً: الوحدة والتحول الكبير

من المؤسسة العسكرية إلى إدارة العلاقات الخارجية

في عام 1990م، أُعلنت الوحدة بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية.

ومع إعادة ترتيب المؤسسات والوحدات العسكرية، انتقل الشهيد إلى إدارة العلاقات الخارجية بوزارة الدفاع، واستمر في عمله في صنعاء حتى عام 1993م.

وكانت تلك السنوات مرحلة مختلفة في حياته، فقد انتقل من أجواء الوحدات الميدانية إلى العمل الإداري المرتبط بالمؤسسة العسكرية وعلاقاتها الخارجية.

لكن الأوضاع السياسية بدأت تتوتر، وظهرت خلافات متزايدة بين طرفي الوحدة، وفي ظل تلك الظروف، اتخذ الشهيد موقفاً حاسماً.


سادساً: موقف لا يقبل المساومة

العودة إلى عدن رغم التهديد

مع تصاعد الخلافات السياسية والعسكرية عام 1993م، رفض الشهيد مواصلة العمل في صنعاء، وقرر العودة إلى أرض الجنوب، وتحديداً إلى العاصمة عدن.

وكان يدرك أن قراره قد يترتب عليه فقدان راتبه ومصدر دخله، لكنه كان يرى أن المبادئ لا تُقاس بالمكاسب الشخصية.

وكان يردد موقفاً واضحاً في رفضه للاستمرار في العمل في ظل ما كان يراه إخلالاً بالعهود والمواثيق وتحولاً للوحدة إلى واقع مختلف، وحدة ضم وإلحاق، وهذا عكس ما كان يؤمن به.

وهنا تظهر إحدى أبرز سمات شخصيته: أنه كان يضع قناعته قبل مصلحته الشخصية.

فقد كان بإمكانه أن يستمر في وظيفته، وأن يحافظ على راتبه ومكانته، لكنه اختار العودة إلى الجنوب، غير آبه بما قد يترتب على ذلك من أعباء.


سابعاً: حرب عام 1994م

العودة إلى الميدان

في عام 1994م، اندلعت الحرب بين الطرفين، وكانت البلاد أمام واحدة من أصعب مراحلها السياسية والعسكرية.

ومع اندلاع المواجهات، توجه الشهيد إلى محافظة أبين، والتحق بـجبهة الحرور.

هناك عاد مرة أخرى إلى الميدان العسكري الذي عرفه سنوات طويلة.

شارك مع رفاقه في المواجهات، وأظهر شجاعة وإقداماً، وظل في الجبهة حتى انتهت الحرب.

وكانت تلك المرحلة بمثابة اختبار جديد لشخصيته العسكرية، فقد واجه ظروفاً صعبة، وظل متمسكاً بموقفه حتى نهاية الحرب.


ثامناً: ما بعد الحرب

حين اختار الحرية على العودة إلى المؤسسة العسكرية

بعد انتهاء حرب عام 1994م التي تم فيها غزو الجنوب، اختار الشهيد أن يعود إلى قريته أعصم.

وبقي بعيداً عن المؤسسة العسكرية، مفضلاً عدم العودة إلى الخدمة في ظل الظروف السياسية والعسكرية الجديدة.

وعاش فترة صعبة من حياته، فقد حُرم من راتبه العسكري، رغم أنه كان قد أمضى نحو خمسة عشر عاماً في الخدمة العسكرية.

وكان بإمكانه أن يبحث عن طريق آخر لاستعادة حياته العسكرية، لكنه فضل حياة بسيطة في قريته، وعاد إلى رعي الأغنام، الذي كان يرى فيها حرية أفضل من العمل تحت سيف الاحتلال.

وهنا تتجلى إحدى المفارقات المؤثرة في حياته:

فالرجل الذي عرف المعسكرات، والمهام العسكرية، والاستطلاع، وتحمل مسؤوليات الخدمة، عاد إلى حياة الريف البسيطة، يرعى الأغنام في جبال قريته. يرى أن حياة بسيطة يعيش فيها حراً أفضل من حياة يشعر فيها بأنه مضطر للتنازل عن قناعاته ومبادئه.


تاسعاً: ثلاثة عشر عاماً من الصبر

الفقر لم يكسر إرادته

عاش الشهيد البطل/صالح سعيد ناصر الجريري نحو ثلاثة عشر عاماً دون راتبه العسكري، رغم سنوات خدمته الطويلة.

كانت الظروف المعيشية صعبة، وكان العمل في الرعي هو مصدر رزقه، إلا أن صعوبة الحياة لم تغير من شخصيته.

فلم يكن يقيس كرامته بما يملك من مال، ولم تكن الظروف الاقتصادية قادرة على انتزاع موقفه.

عاد إلى أرضه، وعاش بين أهله، وظل يحمل في داخله ذاكرة السنوات التي قضاها في المؤسسة العسكرية، والأحداث التي مرت بها البلاد.

وهكذا تحولت سنوات الحرمان بالنسبة إليه إلى سنوات صبر، حتى جاءت مرحلة جديدة ستعيده إلى ساحات العمل العام.


عاشراً: الحراك السلمي الجنوبي

عودة الصوت إلى الساحات

في عام 2007م، انطلق الحراك الجنوبي السلمي مطالباً بالحقوق التي يرى أن أبناء الجنوب قد حُرموا منها.

وكان الشهيد صالح سعيد الجريري من أوائل الذين لبوا الدعوة، وأصبح من نشطاء الحراك الجنوبي السلمي.

فبعد سنوات قضاها بعيداً عن المؤسسة العسكرية، وجد نفسه مرة أخرى في ميادين العمل العام، ولكن هذه المرة من خلال المسيرات والفعاليات السلمية.

شارك في المهرجانات والمسيرات التي أقيمت في مختلف مناطق الجنوب، وكان حاضراً في كثير من الفعاليات، متنقلاً بين المحافظات والمناطق.

لم يكن حضوره موسمياً أو مرتبطاً بفعالية واحدة، بل أصبح جزءاً من نشاطه اليومي.


الحادي عشر: عودة مؤقتة إلى السلك العسكري

حقٌ عاد... ثم عاد معه التهميش

مع عودة عدد من العسكريين الذين تعرضوا للتسريح القسري إلى العمل، عاد الشهيد أيضاً إلى السلك العسكري.

لكن هذه العودة لم تدم طويلاً، إذ تمت إحالته مرة أخرى إلى المعاش التقاعدي الإجباري براتب ضئيل جداً.

وكان ذلك مؤلماً لرجل أفنى سنوات من عمره في الخدمة العسكرية، وعاد إليها بعد سنوات طويلة من الانقطاع، ليجد نفسه مرة أخرى أمام واقع التقاعد.

ومع ذلك، لم يتوقف نشاطه، ولم تنطفئ داخله الرغبة في المشاركة في الأحداث التي كان يرى أنها تمس أرضه وأبناء مجتمعه.


الثاني عشر: عندما عاد المقاتل إلى الميدان

حرب جديدة... وقرار لا يتردد

في مارس 2015م، اندلعت الحرب مجدداً في الجنوب، واشتدت المواجهات في عدن ومناطق أخرى.

وفي تلك الظروف، لم يبقَ الشهيد بعيداً عن الأحداث.

بل بادر منذ اليوم الأول للحرب وحمل سلاحه الشخصي، وانضم إلى المقاومة الجنوبية في العاصمة عدن، وشارك في عدد من جبهات القتال.

وكانت هذه العودة إلى الميدان مختلفة عن كل ما سبقها، فقد أصبح الشهيد أكبر سناً من كثير من المقاتلين، لكنه كان يمتلك خبرة عسكرية طويلة اكتسبها خلال سنوات خدمته السابقة.

وكانت خبرته في الميدان وشجاعته وانضباطه عوامل جعلته حاضراً في مواقع متعددة.


الثالث عشر: من بئر أحمد إلى جبهات عدن

رجلٌ يتقدم الصفوف

شارك الشهيد في عدد من جبهات عدن، ومن بينها:

بئر أحمد

جولة السفينة

الكراع

المدينة الخضراء

جعولة

وكان ينتقل من موقع إلى آخر بعد تطهيره، ووفق تطورات المعارك.

فقد تميز خلال تلك المرحلة بالشجاعة والمهارة والخبرة العسكرية، الأمر الذي جعل زملاءه يثقون به ويعتمدون عليه في المهام الصعبة.

مستفيدين من خبرته العسكرية الطويلة، وشجاعته وحنكته العسكرية.


الرابع عشر: قيادة مهمة تطهير المدينة الخضراء

الثقة التي صنعتها المواقف

نتيجة لما أظهره الشهيد من شجاعة وخبرة ومهارة في القتال، أُسندت إليه مهمة قيادة فرقة شاركت في تطهير المدينة الخضراء.

وكانت هذه المسؤولية دليلاً على المكانة التي اكتسبها بين زملائه.

فالقيادة في الميدان لا تُمنح بالكلمات، وإنما تفرضها الثقة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية.

وخاض الشهيد ورفاقه معارك تلك المرحلة حتى تم تطهير المنطقة من قوات الاحتلال اليمني.

وهنا تبدو المفارقة الجميلة في قصة حياته:

ذلك الشاب الذي بدأ مسيرته العسكرية في السبعينيات، عاد بعد عقود ليجد نفسه مرة أخرى في مقدمة الصفوف.

وكأن السنوات لم تستطع أن تطفئ في داخله روح المقاتل.


الخامس عشر: من عدن إلى لحج

استمرار المسيرة

بعد مشاركته في جبهات عدن، واصل الشهيد طريقه إلى محافظة لحج، وشارك في عدد من العمليات العسكرية هناك.

وكان من أبرز مشاركاته المساهمة في تطهير مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج.

ومع استمرار العمليات، انتقل إلى مرحلة أكثر أهمية عندما اتجهت المعارك نحو قاعدة العند العسكرية، وهي من المواقع العسكرية الاستراتيجية المهمة.


السادس عشر: معركة قاعدة العند

في مقدمة المتقدمين

كان الشهيد من المشاركين في الهجوم على قاعدة العند العسكرية، وتقدم مع زملائه في المعركة حتى تمت السيطرة على القاعدة.

وكانت هذه المحطة واحدة من أهم مراحل مشاركته في أحداث عام 2015م.

فبعد سنوات طويلة من الخدمة العسكرية، وبعد مرحلة التقاعد والابتعاد عن الميدان العسكري، عاد إلى الميدان مرة أخرى، وشارك في واحدة من أبرز المعارك في محافظات عدن ولحج.


السابع عشر: الطريق إلى الضالع

المهمة الأخيرة

بعد تطهير قاعدة العند، أُسندت للمقاومة مهمة التحرك باتجاه محافظة الضالع.

وكعادته، تقدم الشهيد مع زملائه في الصفوف المتقدمة.

لكن أثناء التحرك، واجهت المجموعة مجموعة من المقاتلين الحوثيين الفارين من المعركة المتحصنين في منطقة جبلية بالقرب من مثلث العند.

وتطورت المواجهة إلى اشتباك، شارك فيه الشهيد مع عدد من رفاقه.

وفي تلك اللحظات، كان الشهيد يؤدي آخر مهمة في حياته، دون أن يعلم أن ذلك اليوم سيكون موعده مع الشهادة.


الثامن عشر: يوم الشهادة

4 أغسطس 2015م... آخر الطريق

في الرابع من أغسطس عام 2015م، ارتقى الشهيد البطل صالح سعيد ناصر حسين الجريري شهيداً خلال المواجهات.

واستشهد معه رفيقاه:

الشهيد يحيى سعيد عاطف السعيدي

والشهيد ثابت عبد راجح السعيدي

وبذلك انتهت رحلة رجل امتدت من جبال حمّة إلى ميادين عسكرية عديدة، ثم إلى ساحات المقاومة.

رحل الشهيد البطل/ صالح سعيد ناصر حسين الجريري بعد حياة حافلة بالمحطات، من المدرسة، إلى المؤسسة العسكرية، إلى الاستطلاع، ثم المهام العسكرية، ثم سنوات الحرمان، ثم الحراك السلمي، وأخيراً العودة إلى الميدان.

وكان عمره عند استشهاده قد تجاوز نصف قرن، لكنه بقي حاضراً في الصفوف، يحمل خبرة عقود من الحياة والخدمة.


التاسع عشر: الأسرة التي تركها خلفه

زوجتان وثلاثة أبناء

ترك الشهيد خلفه زوجتين وثلاثة أبناء:

(سلام ـ فاطمة ـ رويا)

وترك إلى جانب أسرته إرثاً من الذكريات والمواقف التي ستظل مرتبطة باسمه.

فالأسرة لا تفقد شخصاً فقط عندما يرحل، بل تفقد جزءاً من تاريخها وذاكرتها، خصوصاً عندما يكون الراحل قد عاش حياة مليئة بالمحطات التي تستحق أن تُروى للأبناء والأحفاد.

ومن هنا تأتي أهمية تدوين سيرة الشهيد، حتى تعرف الأجيال القادمة من كان هذا الرجل، وكيف عاش، وما المراحل التي مر بها، وكيف انتهت رحلته.


العشرون: شهادة رجلٍ عرفه من بعيد

(لم أرَ شجاعةً وأخلاقاً وكرماً مثل ذلك الرجل)

ومن أكثر المواقف الإنسانية التي تختصر شخصية الشهيد التي سمعتها شخصياً في لقاء جمعني في العاصمة المصرية (القاهرة) بشخص من ابناء يافع محافظة لحج.

فما إن دار الحديث حتى سألني الرجل:

هل تعرف الشهيد/ صالح سعيد ناصر العيدة الجريري؟

فكان الجواب: وهل يخفى القمر، من لا يعرف ذلك الرجل الصنديد، الشجاع، الكريم رحمه الله.

ثم قال لي الرجل:

(في حياتي لم أرَ شجاعةً وأخلاقاً وكرماً وعزة نفس مثل ذلك الرجل)

وقد تكون شهادة كهذه أبلغ من صفحات طويلة، وأكبر من هذه السطور، لأن الإنسان يستطيع أن يصف نفسه كما يشاء، لكن شهادة من عرف الرجل أو سمع عنه من الآخرين تبقى شاهداً مهماً على ما تركه من أثر.

وتجمع هذه الشهادة الصفات التي تكررت في سيرة الشهيد منذ بداياتها:

الشجاعة، والكرم، والأخلاق، وعزة النفس، والحنين إلى الحرية والاستقلال،

وهي صفات ظلت ملازمة له في مراحل حياته المختلفة.


الحادي والعشرون: رجلٌ لم تغيّره السنون

إن أكثر ما يلفت النظر في سيرة الشهيد /صالح سعيد ناصر الجريري هو امتداد شخصيته عبر مراحل زمنية طويلة.

فقد بدأ حياته شاباً في المؤسسة العسكرية، ثم خدم في وحدات مختلفة، وأثبت حضوره في المهام العسكرية، ثم مر بمرحلة الحرب، وبعدها عاش سنوات من الحرمان والتقاعد القسري، ثم عاد إلى العمل السلمي، وأخيراً عاد إلى الميدان وهو بنفس القوة والشجاعة، بل وبإيمان وحب لنصرة العقيدة ثم الوطن بحماس أكبر.

ورغم تغير الظروف من حوله، بقيت بعض الصفات ثابتة فيه:

الشجاعة... الإقدام... الكرم... عزة النفس... والإخلاص لما يؤمن به.

ولهذا لم تكن قصة حياته مجرد قصة عسكري، ولا مجرد قصة مقاتل، وإنما قصة إنسان ظل يحمل قناعاته معه في كل مرحلة من مراحل عمره.


في الختام

صالح العيدة... حين يصبح الاسم ذاكرة

ولد الشهيد/ صالح سعيد ناصر حسين الجريري في الرابع عشر من أكتوبر عام 1963م، في يوم ارتبط في الذاكرة الجنوبية بذكرى انطلاق ثورة الرابع عشر من أكتوبر.

نشأ في أعصم بمنطقة حمّة، وتلقى تعليمه فيها، ثم التحق بالمؤسسة العسكرية عام 1979م، وتنقل في وحداتها، وعمل في سرية الاستطلاع، وأثبت شجاعته في عدد من المهام.

وفي عام 1987م، كانت له مشاركة بارزة في مهمة عسكرية جرى تكريمه بعدها من وزاره الدفاع في جمهوريه اليمن الديمقراطيه الشعبيه.

ثم جاءت الوحدة عام 1990م، وانتقل إلى إدارة العلاقات الخارجية بوزارة الدفاع في صنعاء، قبل أن يعود إلى العاصمه عدن عام 1993م مع تصاعد الخلافات.

وشارك في حرب عام 1994م في جبهة الحرور بأبين، ثم عاش سنوات طويلة بعيداً عن المؤسسة العسكرية، متحملاً ظروفاً معيشية صعبة، وعاد إلى قريته يعمل في رعي الأغنام.

وفي عام 2007م، كان من نشطاء الحراك الجنوبي السلمي، وظل حاضراً في فعالياته.

ثم جاءت حرب عام 2015م، فعاد إلى الميدان من جديد، وشارك في جبهات عدن ولحج جميعها، وأسهم في معارك المدينة الخضراء والحوطة وقاعدة العند، ثم تحرك باتجاه الضالع.

وفي 4 أغسطس 2015م، انتهت رحلته بالشهادة.

رحل الشهيد البطل/ صالح سعيد ناصر (العيده) الجريري، لكنه ترك خلفه قصة رجل لم يكن الطريق بالنسبة إليه سهلاً، ولم تكن الحياة دائماً رحيمة به، ومع ذلك ظل متمسكاً بما آمن به حتى آخر الطريق.

ترك زوجتين وثلاثة أبناء، وترك أهلاً ورفاقاً ومحبيّن، وترك اسماً سيظل حاضراً في ذاكرة أبناء حمّة وأعصم وسرار بشكل خاص، والجنوب بشكل عام.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به سيرته تلك العبارة التي تختصر فلسفة حياته:

[لقد وُلد في يوم الثورة، وعاش بروح الثائر، ومضى إلى الخلود شهيداً ].


نم أبا سلام قرير العين...

فقد تركت خلفك سيرةً لا تنتهي برحيل صاحبها، وذكريات ستظل تتناقلها الأجيال.


ومع اكتمال السيرة الذاتية لهذا البطل، أتقدم ببالغ الاعتذار لتاريخ هذا البطل العظيم الشهيد/ صالح سعيد ناصر حسين الجريري، ولكل محبيه، إن كان في هذه السيرة القاصرة أي تقصير. وما هذا الجهد إلا محاولة لتخليد ذكرى أحد عمالقة مديرية سرار الأبطال الذين كتبوا بدمائهم أنصع صفحات التاريخ،

وسجلوا أسماءهم في سجل الخالدين بعد رحلة نضال وكفاح استمرت طويلاً، وكأن عنوانها الكرم والعزة والأخلاق في الحياة، والشجاعة والإقدام في ميادين القتال. حتى ختم حياته شهيداً مدافعاً عن عقيدته، ووطنه وكرامة شعبه.


رحم الله الشهيد البطل/ صالح سعيد ناصر حسين الجريري أبو سلام، وأسكنه فسيح جناته، ورحم الله رفاقه الشهداء، وألهم أسرته وأبناءه ومحبيه وكل أبناء مديرية سرار الصبر والسلوان.

وللشهداء المجد والخلود.


من كتاب (الخالدين)

للمؤلف/ الأستاذ عبدالوهاب العمري