آخر تحديث :الأحد-23 أغسطس 2026-11:09م
أخبار وتقارير


بين رحيل والدي وخالي.. فرقان لا تنساهما الذاكرة ما دامت الحياة

بين رحيل والدي وخالي.. فرقان لا تنساهما الذاكرة ما دامت الحياة
الأحد - 23 أغسطس 2026 - 09:59 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/متابعات

"مختار حسين السعيدي"

شتان بين رحيلين وذكريات لا تمحوها السنين ولا تبرح القلب حتى نلقى الرب. تعيد إليّ الذكريات الآلام والأحزان وتستعر نارها في شهر أغسطس الذي صار موسمًا للفقدان ففيه رحيل والدي العميد حسين سعيد راجح واستشهاد أخي سعيد حسين والقائمة تطول وآخرها رحيل خالي العزيز بالليل خضر في الليل البهيم.

كانت المصادفة أن كنت مرافقًا لوالدي في مرضه فكنت أشعر بكل ألم في جسده وكأنه يقطع قلبي وكان يحدوني الأمل بما كانوا ينادونني به: "سيستعيد عافيته ويعود إلى أرض الوطن وتعود الحياة كما كانت". وها هي القصة تتكرر فقد كنت مرافقًا لخالي العزيز في مرضه الذي أصابه فأسرع المرض في إنهاك جسده النحيل الذي كان يمتلئ بالحيوية والنشاط والعنفوان وكأنه لا يحس بما يعانيه رغم أن المرض كان ينهش كل بقعة من جسده الطاهر. ولم تمضِ إلا بضعة أيام حتى وقعت الفاجعة. كان يتحدث أمامي عن معنوياته وحبه للوطن ويؤكد ثقته بصحته وأمله في العودة إلى أرض الوطن سالمًا غانمًا.

لكن الحياة ليست كما نخطط ولا كما تشتهي الأنفس فالأقدار تسوقها إلى حيث يشاء رب العباد وتأتي بما تخفيه الأيام من خفايا فتجعلنا نتحسر على كل لحظة عشناها مع من أحببنا. إنها ساعات الفراق التي تترك في النفس مواقف من الصعب أن ينساها الإنسان ما دام على هذه الأرض لكن قدرة الله لا تُرد ولا اعتراض على قضائه.

كلمات ما زالت عالقة في ذاكرتي كنت أسمعها من والدي في صورة نصائح وبعضها من حديث خالي العزيز رحمه الله وكانت آخر كلماته أن يوصيني بالشدة والتحمل وأن أمرًا قادمًا بمشيئة الله لن أقدر على تقبله. لكن الأيام علمتني الصبر والثبات من هؤلاء الرجال الذين لا تمحوهم الذكرى وتعلمت تقبل كل حال من الأحوال وأنا أرى انهيار صحتهما يومًا بعد يوم. فهكذا هي الحياة دروس وعبر ومحطات تخطها الأقدار لتذكرنا بأن الدنيا دار فناء وأن البقاء لله وحده.

سنوات عشتها وتعلمت منكما لكنها والله مضت كلمح البصر ولم نعلم أن الله يأخذ الأرواح دون وداع. تركتما وراءكما إرثًا وخبرة في العمل الأكاديمي والعسكري وأثبتما طوال حياتكما أنكما قائدان من الطراز الفريد. سيذكركما الأجيال القادمة بما تركتماه من عمل وتفانٍ لا نظير لهما في هذا الجيل الذي عاش معكما.

فكلمة "وداع" ليست وفية لذكراكما ولا تكفي لعظيم ما زرعتما. وما تركتماه من سيرة عطرة خلال حياتكما هو الذي سيخلد ويبقي أسماءكما محفورة في القلوب كالنجوم الثابتة.

أما وقد ودعنا الأجساد فإن الأرواح تبقى في عليين والذكرى الطيبة خير ما يورث. رحلتما جسديًا لكن حضوركما لا يزول ووصاياكما نبراس نهتدي به. أسأل الله أن يغشاكما بواسع رحمته وأن ينير قبوركما بنور الإيمان يوم البعث والنشور يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

إلى جنة الخلد بإذن الله حيث لا فراق ولا ألم وحيث يجتمع الأحبة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

رحمك الله يا والدي ورحمك الله يا خالي وأسكنكما فسيح جناته وألهمنا الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.