آخر تحديث :الأحد-16 أغسطس 2026-04:47م
وثائقيات

ستة عقود من الوفاء إلى ميادين الشرف والخلود
سيرة الشهيد البطل محمد محسن صالح الفرع العمري «أبو وحيد»..مسيرة رجل حمل الوطن في قلبه حتى آخر لحظة

سيرة الشهيد البطل محمد محسن صالح الفرع العمري «أبو وحيد»..مسيرة رجل حمل الوطن في قلبه حتى آخر لحظة
الأحد - 16 أغسطس 2026 - 04:24 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

تمهيد: رجال تصنعهم الأرض وتصقلهم المواقف

لكل أرض رجالها الذين يحملون ملامحها في وجوههم وقيمها في سلوكهم وتاريخها في مواقفهم. وهناك رجال لا تكون علاقتهم بالوطن مجرد انتماء إلى مكان بل تتحول إلى قضية يعيشون من أجلها ويمضون في سبيلها حتى آخر لحظة من حياتهم.

ومن بين هؤلاء يأتي الشهيد محمد محسن صالح الفرع العمري الذي امتدت حياته على مدى أكثر من ستة عقود تنقل خلالها بين حياة الريف والبداوة وميدان الخدمة العسكرية ومراحل التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد ثم أصبح واحدا من الأصوات الحاضرة في الحراك السلمي الجنوبي.

ولد الشهيد في بيئة بسيطة تعتمد على الرعي والزراعة لكنه ورث عن آبائه وأجداده تاريخا نضاليا عريقا فكبر وهو يحمل في داخله صفات الشجاعة والإقدام وحب الأرض ثم ترجم تلك الصفات في مراحل حياته المختلفة إلى مواقف وعطاء وتضحيات.

أولا: الميلاد والنشأة

في أحضان منطقة أمسدارة ولدت الحكاية

ولد الشهيد محمد محسن صالح الفرع العمري عام 1950م في منطقة أمسدارة بمديرية سرار محافظة أبين في أسرة فقيرة تعتمد في معيشتها على الرعي والزراعة.

ورغم بساطة الحياة وقلة الإمكانات فقد كانت الأسرة تنتمي إلى تاريخ نضالي عريق إذ تعود جذور آبائه وأجداده إلى قرية الفرع إحدى القرى التي واجه أبناؤها الاستعمار البريطاني لسنوات طويلة. ولا تزال آثار تلك المرحلة حاضرة حتى اليوم ومنها آثار القنابل التي كانت تسقط على المنطقة شاهدة على فترة صعبة من تاريخ المكان وأهله.

وسط هذا الإرث النضالي ولد الشهيد محمد الفرع ونشأ في بيئة لم تكن الحياة فيها سهلة لكنها كانت غنية بالقيم والمعاني فتعلم منذ طفولته الصبر وتحمل المسؤولية والاعتماد على النفس. ومنذ نعومة أظفاره ظهرت عليه ملامح الرجولة والشجاعة والإقدام وهي صفات سترافقه في مختلف مراحل حياته.

ثانيا: طفولة في أحضان الجبال

الرعي والزراعة مدرسة الحياة الأولى

لم تكن طفولة الشهيد في بيئة تتوفر فيها وسائل التعليم الحديثة أو الحياة المرفهة بل كانت حياته مرتبطة بالأرض والجبال. فقد عمل في رعي الأغنام والزراعة متنقلا في البيئة الجبلية الممتدة بين منطقتي الفرع وأمسدارة.

وقد كانت تلك البيئة القاسية مدرسة حقيقية صنعت منه رجلا قادرا على تحمل المشاق ومواجهة الصعوبات. ففي الجبال تعلم الصبر وفي الرعي تعلم المسؤولية وفي الزراعة تعلم قيمة العمل والاعتماد على النفس ومن أسرته ومجتمعه تعلم الكرم والشجاعة والوفاء.

وهكذا تداخلت الطبيعة والتربية والإرث العائلي في تشكيل شخصيته حتى أصبح شابا يحمل في داخله قوة أبناء الجبال واعتزاز الإنسان بأرضه وجذوره.

ثالثا: البدايات التعليمية

المعلامة نافذة العلم الأولى

في ذلك الزمن لم يكن التعليم النظامي متاحا على نطاق واسع في المناطق الريفية والجبلية ولذلك تلقى الشهيد تعليما أوليا في المعلامة. كانت تلك المرحلة محدودة من حيث الإمكانات لكنها مثلت بالنسبة إليه نافذته الأولى نحو المعرفة.

وبعد ذلك اتجه إلى العمل في الرعي والزراعة وهي الأعمال التي كانت تشكل جزءا أساسيا من حياة أبناء المنطقة في ذلك الوقت. لكن الظروف الاجتماعية والسياسية التي عاشها الجنوب بعد الاستقلال فتحت أمام الشباب أبوابا جديدة وكان من بينها المؤسسة العسكرية التي أصبحت تستقطب أعدادا من أبناء المناطق والقرى.

رابعا: الالتحاق بالمؤسسة العسكرية

من حياة الريف إلى ميادين الخدمة الوطنية

بعد الاستقلال من الاحتلال البريطاني كان الجنوب بحاجة إلى الشباب للمشاركة في بناء مؤسسات الدولة ومن بينها القوات المسلحة. وفي عام 1970م التحق الشهيد محمد الفرع بالسلك العسكري ليبدأ مرحلة جديدة من حياته.

لم يكن انتقاله إلى المؤسسة العسكرية مجرد تغيير في العمل بل كان انتقالا إلى حياة مختلفة تقوم على الانضباط والالتزام والتدريب وتحمل المسؤولية. وسرعان ما ظهرت في شخصيته العسكرية الصفات التي عرف بها منذ طفولته من الشجاعة والإقدام والجدية الأمر الذي جعله يحظى بثقة قياداته. وفي هذه المؤسسة تم تأهيله علميا وعمليا.

خامسا: الترشيح للكلية العسكرية

الشجاعة تفتح له أبواب الطموح

لم تمر سنوات خدمته العسكرية دون أن تبرز قدراته فقد لفتت شجاعته وانضباطه أنظار قياداته وتم ترشيحه للالتحاق بالكلية العسكرية الدفعة العاشرة عام 1978م. وكان هذا الترشيح محطة مهمة في حياته لأنه فتح أمامه طريقا نحو التأهيل العسكري والقيادة.

غير أن الظروف والأحداث التي شهدتها البلاد في تلك الفترة حالت دون إكماله دراسته في الكلية العسكرية وبعد الأحداث تم توزيعه في لواء ملهم بمحافظة شبوة. وهكذا وجد الشهيد نفسه مرة أخرى في الميدان مواصلا طريقه العسكري رغم الظروف التي اعترضت مسيرته.

سادسا: الإصابة والابتعاد عن المؤسسة العسكرية

جرح في الجسد وحنين إلى الوطن

خلال خدمته العسكرية في محافظة شبوة تعرض الشهيد لإصابة إثر انفجار لغم في منطقة قف العوامر. وبعد تلقي العلاج ترك المؤسسة العسكرية ثم سافر إلى المملكة العربية السعودية.

لكن الغربة لم تكن قادرة على أن تنتزع من قلبه ارتباطه بأرضه ووطنه فلم يمكث خارج الوطن سوى نحو عام واحد. وكان حنينه إلى موطنه أقوى من كل ظروف الغربة فعاد إلى أرض الجنوب عام 1981م. وكأن الوطن كان يناديه من بعيد وكأن السنوات التي قضاها بعيدا عن أرضه لم تكن إلا فاصلا قصيرا في مسيرة رجل لم يستطع أن يبتعد طويلا عن المكان الذي ينتمي إليه.

سابعا: العودة إلى الوطن واستكمال المسيرة العسكرية

عودة الرجل إلى المؤسسة التي أحبها

بعد عودته إلى الجنوب عام 1981م أصبح الشهيد عضوا نشطا في الحزب الاشتراكي اليمني كما عاد إلى المؤسسة العسكرية التي ظل مرتبطا بها وتم توزيعه في لواء مدرم بمحافظة أبين ليواصل مسيرته العسكرية.

لكن طموحه لم يكن قد توقف فقد ظل حلم إكمال دراسته في الكلية العسكرية حاضرا في ذهنه. وكان يرى أن ما بدأه في السابق ينبغي أن يكتمل ولذلك عاد إلى الدراسة في الكلية العسكرية والتحق بالدفعة الرابعة عشرة ليحقق بذلك أحد أهم أهدافه العسكرية.

وبعد إكمال مسيرته صدرت التعليمات بترقيته إلى رتبة ملازم ثان عام 1990م. وهكذا أثبت الشهيد أن الإنسان يستطيع أن يعود إلى طريقه مهما اعترضته الظروف وأن الطموح الحقيقي لا ينتهي عند أول عقبة.

ثامنا: مرحلة الوحدة وإعادة توزيع الضباط

من صنعاء إلى عدن في زمن التحولات

في عام 1990م أعلنت الوحدة بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية. وفي إطار إعادة توزيع القوات والوحدات العسكرية كان الشهيد واحدا من الضباط الذين تم توزيعهم في صنعاء مع عدد من زملائه الضباط.

وظل هناك حتى عام 1994م وهي المرحلة التي بدأت خلالها الخلافات والتوترات السياسية والعسكرية بين طرفي الوحدة بالتصاعد. ومع تفاقم الأوضاع واقتراب البلاد من الحرب عاد الشهيد إلى عدن ليقف إلى جانب أرضه وأهله في تلك الظروف العصيبة.

تاسعا: حرب صيف 1994م

العودة إلى الميدان والدفاع عن الأرض

في أبريل عام 1994م اندلعت الحرب بين الطرفين وكانت مرحلة قاسية تركت آثارا عميقة في نفوس أبناء الجنوب. وفي تلك اللحظة عاد الشهيد إلى الميدان الذي عرفه طوال حياته وشارك في الدفاع عن أرضه ووطنه الذي خدمه سنوات طويلة.

شارك بشجاعة وبسالة في جبهة دوفس بمحافظة أبين إلى جانب رفاقه في السلاح ومن بينهم المناضل الكبير عبدالحكيم الملعسي. وخاض الشهيد ورفاقه المعارك حتى الأيام الأخيرة من المواجهات وظل ثابتا في الميدان يؤدي واجبه إلى أن انتهت الحرب باحتلال الجنوب عام 1994م.

عاشرا: ما بعد الحرب والتقاعد القسري

حين ضاعت الرتبة وبقيت كرامة الرجل

بعد حرب صيف 1994م شكلت لجنة لاستقبال الجنود والضباط وهناك وجد الشهيد نفسه أمام واقع مؤلم فقد أصبح بدون رقم عسكري بعد أن تم استبدال رقمه بآخر لأحد أبناء الجمهورية العربية اليمنية.

ورغم صدور توجيهات بإعطائه رقما عسكريا جديدا بدلا من رقمه السابق وترقيته إلى رتبة عقيد أسوة بزملائه من ضباط الدفعة الرابعة عشرة فإن تلك القرارات لم تنفذ. وبدلا من ذلك أعيد برتبة ملازم ثان ثم أحيل إلى التقاعد القسري من الفرقة الأولى مدرع براتب زهيد شأنه شأن عدد كبير من العسكريين الجنوبيين في تلك المرحلة.

كانت تلك المرحلة من أصعب المحطات في حياته فالرجل الذي أفنى سنوات من عمره في الخدمة العسكرية وجد نفسه بعيدا عن المؤسسة التي أحبها وقد أغلقت أمامه أبواب الاستمرار في المهنة التي اختارها منذ شبابه. لكن التقاعد لم يكن يعني بالنسبة إليه التوقف عن العمل من أجل قضيته.

الحادي عشر: من المؤسسة العسكرية إلى النضال السلمي

صوت لا يتقاعد

مع انطلاق الحراك السلمي الجنوبي عام 2007م كان الشهيد من أوائل العسكريين الذين لبوا النداء وشاركوا في المطالبة بحقوق العسكريين الجنوبيين الذين أحيلوا إلى التقاعد القسري. وانطلاقا من إيمانه بما يراه حقا بدأ يشارك بصورة فاعلة في المسيرات والفعاليات السلمية.

ومع تطور المطالب واتساع دائرة الحراك ارتفع سقف المطالب من المطالبة بحقوق المسرحين قسرا إلى المطالبة بفك الارتباط وعودة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. ومنذ ذلك الوقت كرس الشهيد جزءا كبيرا من وقته وجهده للمشاركة في فعاليات الحراك السلمي الجنوبي.

الثاني عشر: الشاعر والحاضر في ساحات الحراك

من ساحات القتال إلى ساحات الكلمة

لم يكن الشهيد مجرد مشارك في الفعاليات بل كان أيضا شاعرا وعضوا نشطا في كثير من الأنشطة التي أقيمت في المحافظات الجنوبية. وكان حضوره لافتا في المسيرات والفعاليات التي أقيمت في مختلف المناطق فكان يرى في عدن والضالع وردفان ويافع وأبين وغيرها من مناطق الجنوب.

وهكذا انتقل من ساحات الخدمة العسكرية إلى ساحات العمل السلمي ومن حمل السلاح في مرحلة سابقة إلى حمل الكلمة والموقف في مرحلة أخرى. وظل وفيا لما يؤمن به حتى النهاية مشاركا في الفعاليات ومع?برا عن مواقفه بالشعر والكلمة والحضور.

الثالث عشر: يوم الأرض آخر محطات العطاء

7 يوليو 2012م

ظل الشهيد محمد محسن صالح الفرع العمري وفيا لقضيته ومخلصا لأرضه حتى آخر يوم من حياته. وفي يوم الأرض الموافق 7 يوليو 2012م شارك في مظاهرة سلمية في مدينة المنصورة بالعاصمة الجنوبية عدن.

وفي ذلك اليوم الحزين انتهت رحلة رجل عاش أكثر من ستة عقود حافلة بالمحطات والتحولات من طفولة الريف إلى الرعي والزراعة ثم المؤسسة العسكرية والكلية العسكرية والجبهات والتقاعد القسري ثم ساحات الحراك السلمي.

وفي مشهد مؤثر وجد رفاقه ومحبو الشهيد معه مبلغا بسيطا لا يتجاوز 50 ريالا يمنيا إضافة إلى ورقة دون فيها الديون التي كانت عليه لبعض الناس. وكان ذلك المشهد شديد التأثير في نفوس من عرفوه إذ بدا وكأنه يحمل معه ما يشبه وصيته الأخيرة حريصا على إبراء ذمته من حقوق الناس حتى في آخر أيام حياته.

وهكذا رحل الرجل فقيرا في ماله لكنه غني بسيرته ومواقفه تاركا خلفه أثرا أكبر بكثير من كل ما كان يملكه من متاع الدنيا.

الرابع عشر: الأسرة والحياة الاجتماعية

أب لعشرة أبناء

كان الشهيد محمد محسن صالح الفرع العمري متزوجا وأبا لعشرة أبناء. وقد عاش حياة أسرية ارتبطت بما مر به من ظروف وتحولات وظل يحمل مسؤولية أسرته إلى جانب مسؤولياته العسكرية والوطنية.

ورحل تاركا أبناءه وأسرته ورفاقه ومحبيه يحملون ذكراه ويستعيدون مواقف رجل عاش حياته متنقلا بين ميادين مختلفة لكنه ظل متمسكا بما يؤمن به حتى النهاية.

الخامس عشر: رجل لم يتوقف عن العطاء

رحلة بدأت من الجبال وانتهت في ساحات المنصورة

إذا تأملنا سيرة الشهيد محمد الفرع نجد أنها ليست مجرد سيرة عسكري شارك في أحداث بلاده وإنما قصة رجل عاش مراحل متعددة من تاريخ الجنوب.

بدأ حياته في أسرة بسيطة تعتمد على الزراعة والرعي ونشأ في بيئة جبلية عرفت النضال ثم التحق بالمؤسسة العسكرية ورشح للكلية العسكرية وتعرض للإصابة واغترب لفترة قصيرة ثم عاد إلى وطنه وأصر على إكمال دراسته العسكرية.

وبعد الوحدة وجد نفسه في صنعاء ثم عاد إلى عدن مع اندلاع الحرب وشارك في جبهة دوفس وبعد الحرب تعرض للتقاعد القسري لكنه لم يعتزل الحياة العامة بل انتقل إلى ساحات الحراك السلمي وظل مشاركا فيها حتى يوم استشهاده.

إنها رحلة طويلة تتغير فيها الأماكن والظروف لكن الثابت فيها هو الرجل نفسه رجل ظل متمسكا بأرضه وهويته وقضيته كما آمن بها.

الخاتمة

أبو وحيد رجل حمل وصيته معه

في السابع من يوليو عام 2012م أسدل الستار على حياة الشهيد محمد محسن صالح الفرع العمري «أبو وحيد» لكنه لم يكن ستارا على سيرته.

فالرجل الذي ولد في أمسدارة عام 1950م وترعرع بين جبال الفرع وأمسدارة وعرف الرعي والزراعة ثم ارتدى الزي العسكري ودخل الكلية العسكرية وخدم في صفوف القوات المسلحة وخاض معارك 1994م وعانى من التقاعد القسري عاد مرة أخرى إلى ميادين النضال السلمي وظل حاضرا في ساحات الحراك حتى آخر لحظة.

ولعل أكثر ما يختصر إنسانية هذا الرجل مشهد ذلك اليوم الأخير حين وجد رفاقه معه خمسين ريالا فقط وورقة تحمل أسماء الديون التي كانت عليه.

رحل فقيرا في المال لكنه ترك وراءه ثروة من المواقف والذكريات.

رحل الجسد وبقي الاسم.

رحل الرجل وبقيت سيرته.

رحل أبو وحيد لكنه ترك وراءه عشرة أبناء وأسرة ورفاقا ومحبين وذاكرة لا تنسى رجلا قضى حياته بين العمل والخدمة والنضال وظل وفيا لما آمن به حتى آخر لحظة.

رحم الله الشهيد محمد محسن صالح الفرع العمري «أبو وحيد» وأسكنه فسيح جناته وغفر له وجعل ما قدمه من خدمة وعطاء في ميزان حسناته وألهم أسرته وأبناءه ورفاقه الصبر والسلوان.

رحم الله الشهيد وجعل ذكراه خالدة في سجل أبناء سرار وشهدائها.

من كتاب «الخالدين»

للمؤلف الأستاذ عبدالوهاب العمري