آخر تحديث :الثلاثاء-04 أغسطس 2026-11:23م
ثقافة وفن


عدن تستعيد وهجها الثقافي

عدن تستعيد وهجها الثقافي
الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - 10:12 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/متابعات

كتب / نور صمد - عبد الرؤوف نعمان

في مدينة عُرفت بأنها ملتقى للثقافات وموطن للإبداع ومنارة للفن والمسرح والأدب لا تزال الثقافة العدنية تحمل في تفاصيلها ذاكرة غنية رغم ما مرت به المدينة من تحولات وتحديات. فعدن لم تكن يوما مجرد مساحة جغرافية بل كانت فضاء مفتوحا للفكر ومنبرا للفنون وحاضنة لأصوات صنعت حضورها في الوجدان المحلي والعربي.

وفي هذا السياق يأتي الحوار مع مدير عام مكتب الثقافة بالعاصمة عدن الدكتورة سميرة المشجري ليفتح نافذة على واقع المشهد الثقافي والفني ويستعرض الجهود المبذولة للحفاظ على الموروث العدني ودعم المبدعين وإعادة الحياة إلى المسارح والمراكز الثقافية إلى جانب الحديث عن الطموحات والخطط التي تسعى إلى جعل الثقافة جزءا فاعلا من حياة المجتمع والتنمية.

حيث تؤكد الدكتورة المشجري أن الثقافة ليست نشاطا موسميا أو فعالية عابرة بل هي هوية ووعي وذاكرة جماعية وأن حماية الفن العدني الأصيل مسؤولية مشتركة تتطلب تكاتف المؤسسات الرسمية والمثقفين والفنانين والإعلام والمجتمع.

كما تحدثت المشجري عن المكانة الثقافية التي احتلتها عدن عبر تاريخها مشيرة إلى أن المدينة امتلكت تجربة فنية وأدبية رائدة أسهمت في تشكيل ذائقة المجتمع وقدمت أسماء كبيرة في مجالات الغناء والموسيقى والمسرح والشعر والأدب والصحافة.

وتضيف أن الفن العدني لم يكن مجرد لون غنائي أو تجربة فنية محدودة بل كان تعبيرا صادقا عن روح المدينة وتنوعها وانفتاحها وحمل في كلماته وألحانه حكايات الناس وملامح الحياة وذاكرة المكان.

وترى أن الحفاظ على هذا الإرث لا يعني الاكتفاء بالاحتفاء بالماضي بل يتطلب إعادة تقديمه للأجيال الجديدة بأساليب حديثة تحافظ على أصالته وتمنحه القدرة على الاستمرار والتجدد.

وعن واقع الثقافة اليوم توضح المشجري أن المشهد الثقافي في عدن يواجه عددا من التحديات في مقدمتها محدودية الإمكانات والحاجة إلى تطوير البنية التحتية للمؤسسات والمرافق الثقافية ودعم الفعاليات والبرامج بصورة أكثر استدامة.

ومع ذلك تؤكد أن الإرادة الثقافية ما تزال حاضرة وأن عدن تمتلك طاقات إبداعية واعدة وشبابا وشابات لديهم القدرة على تقديم تجارب جديدة إذا ما أتيحت لهم المساحات المناسبة للتعبير والتدريب والعرض.

وتشير المشجري إلى أن مكتب الثقافة يعمل ضمن الإمكانات المتاحة على تنشيط الحراك الثقافي والفني وإقامة الفعاليات والندوات والمعارض والأمسيات وإحياء المناسبات الثقافية وتعزيز التواصل مع الأدباء والفنانين والمبدعين والمؤسسات الثقافية المختلفة على الرغم من ضعف الموازنة التشغيلية. كما تطالب وزير الدولة محافظ العاصمة عدن عبد الرحمن شيخ برفع الميزانية التشغيلية بما يتناسب مع احتياجات المكتب المختلفة.

مؤكدة أن المبدع هو المحرك الحقيقي للحياة الثقافية وأن الاهتمام بالفنان والأديب والمسرحي والموسيقي لا ينبغي أن يقتصر على التكريم بل يجب أن يمتد إلى توفير بيئة داعمة تساعده على الإنتاج والاستمرار.

لافتة إلى أهمية رعاية المواهب الشابة وفتح المجال أمامها للمشاركة في الأنشطة الثقافية والفنية بما يضمن انتقال الخبرات بين الأجيال ويحافظ على استمرارية الفن العدني وتنوعه.

وتضيف أن الثقافة قادرة على احتضان الجميع وأنها تمثل مساحة للحوار والتقارب وتعزز قيم الجمال والانتماء والتسامح خصوصا في ظل الظروف التي يحتاج فيها المجتمع إلى خطاب يجمع ولا يفرق ويبني الوعي ويمنح الأمل.

وأوضحت المشجري أن السينما والمسرح والفنون بمختلف أشكالها يمكن أن تؤدي دورا محوريا في بناء الوعي وتعزيز القيم المجتمعية متى ما قدمت ضمن إطار ثقافي منظم وبرامج مدروسة تهدف إلى تنمية المجتمع وترسيخ قيم الجمال والانتماء والارتقاء بالذائقة العامة وتعريف الجمهور بالمشهد الثقافي والفني بما يليق بمكانة عدن وتاريخها الحضاري.

وترى أن إعادة الاعتبار للمسرح لا تتوقف عند إعادة تأهيل المباني بل تحتاج إلى دعم النصوص وتشجيع الفرق المسرحية وتأهيل الكوادر وخلق برامج مستمرة تتيح للجمهور العودة إلى فضاءات العرض والتفاعل.

فالمسرح كما تقول ليس ترفا ثقافيا بل منبر يعكس قضايا المجتمع ويطرح الأسئلة ويمنح الناس فرصة للتفكير والحوار ويسهم في بناء الوعي.

وأضافت المشجري أن السينما كذلك يجب أن يكون لها دور كبير، وأن يعاد الاعتبار لها من خلال فتح دور السينما، حيث توجد حاليا سينما أروى، إضافة إلى سينما ريجال بخور مكسر، والتي نحن بصدد إعادة تأهيلها بالتنسيق مع السلطة المحلية والجهات ذات العلاقة. كما أننا بصدد افتتاح صالة للأكروبات في مديرية المعلا، إضافة إلى سعينا الدؤوب لاستعادة مركز دار العرائس بمديرية الشيخ عثمان ليكون رافدا ثقافيا مميزا كما كان في السابق. ونوهت كذلك إلى ضرورة إعادة الاعتبار للمكتبة الوطنية "مكتبة باذيب" من خلال تأهيلها وترميمها حتى تستعيد دورها الثقافي المميز والكبير.

كما كشفت المشجري أن مكتب الثقافة بصدد افتتاح أول استوديو خاص لتسجيل وتوثيق أنشطته وفعالياته المختلفة، كما يتطلع إلى توسيع دائرة النشاط الثقافي بحيث لا تظل الفعاليات محصورة في أماكن محددة بل تصل إلى مختلف مديريات العاصمة عدن وتفتح المجال أمام مشاركة أوسع من المجتمع.

مؤكدة أهمية الشراكة مع المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني والاتحادات والمنتديات الثقافية والقطاع الخاص والإعلام من أجل بناء برامج أكثر تنوعا واستمرارية.

مشيرة إلى أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الإنسان وأن دعم الفنون والآداب يسهم في تنمية الوعي واكتشاف المواهب وتعزيز الانتماء وحماية المجتمع من الأفكار السلبية.

وموجهة رسالة إلى الشباب والمواهب الصاعدة تدعوهم فيها إلى التمسك بهويتهم الثقافية والاعتزاز بالإرث الفني العدني مع الانفتاح على التجارب الحديثة وتطوير أدواتهم الإبداعية.

وموضحة أن التجديد لا يعني التخلي عن الجذور بل البناء عليها وأن الفن الحقيقي هو الذي يحافظ على أصالته ويواكب عصره ويخاطب الإنسان بلغة قريبة من واقعه وآماله.

كما وجهت الدكتورة سميرة المشجري رسالة إلى جميع المثقفين والفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي تدعوهم فيها إلى توحيد الجهود والعمل بروح المسؤولية والالتفاف حول ثقافة عدن والارتقاء بها وحماية ما تتميز به من إرث فني وأدبي وإنساني، مؤكدة أن الثقافة مسؤولية مشتركة لا تقتصر على مؤسسة أو جهة بعينها.

داعية في الوقت ذاته الجهات الرسمية والقطاع الخاص والمؤسسات الداعمة إلى تقديم الدعم المالي واللوجستي اللازم لمكتب الثقافة بما يمكنه من تنفيذ برامجه وأنشطته الثقافية والفنية على الوجه الأمثل وتوسيع نطاق المبادرات واحتضان المواهب وإقامة الفعاليات التي تسهم في تنشيط الحراك الثقافي وإعادة حضوره في المجتمع.

وفي ختام الحوار تؤكد الدكتورة سميرة المشجري أن مستقبل الثقافة في عدن يرتبط بمدى قدرتنا على تحويلها من نشاط موسمي إلى مشروع مجتمعي مستدام يشارك فيه الجميع.

وتقول إن عدن تمتلك تاريخا ثقافيا وفنيا لا يزال حاضرا في وجدان أبنائها وإن الحفاظ عليه مسؤولية تتجاوز المؤسسات لتشمل المجتمع بكل مكوناته.

فالثقافة ليست مجرد ذاكرة نحتفي بها بل قوة تصنع الوعي، والفن ليس مجرد صوت يسمع بل رسالة تحفظ الهوية وتمنح الحياة معنى أجمل.

وبين أصالة الماضي وتطلعات المستقبل تبقى عدن مدينة تغني للحياة وتكتب حكايتها بالإبداع وتفتح أبوابها لكل فكرة جميلة وصوت صادق وموهبة تستحق أن ترى.