المقدمة
من بين أحضان الجبال العاتية
في أحضان جبال "حطاط" الشامخة، وحيث تتلاقى القمم بالجبال لتصنع التاريخ، ولد الرجال الذين جعلوا من الشجاعة والتضحية عنواناً لحياتهم. من هذه البقعة العريقة—التي كانت وما زالت مهد النضال الثوري والبسالة عبر الأزمنة—خرج شهيدنا البطل الشيخ الملازم حسين سعيد طاهر سعيد السرحي، ليغزل بدمائه وفكره قصة رجلٍ جمع بين المهارة التقنية، والروح الثورية، والتضحية العسكرية.
*أولاً: الميلاد والنشأة في كنف الطبيعة والقيم (1377 هـ / 1959 م)*
أبصر الشهيد النور في شهر رمضان المبارك من عام 1377 هجرية (الموافق للعام 1959 ميلادية تقريباً)، في منطقة "شعب جرجر" الواقعة في حطاط الركب—مكتب كلد—يافع السفلى (بني قاصد)، التابعة لمركز ومديرية سرار بمحافظة أبين.
ينتمي الشهيد إلى أسرة وقبيلة عريقة شهدت لها ساحات النضال الوطني التحرري، فنشأ وترعرع في كنف والديه بالمنطقة. شارك والديه في أعباء الحياة اليومية من رعي الأغنام وحراثة الأرض، واكتسب من والده فنون تسلق الجبال وملاحقة مناحل ومزارع العسل في الشعاب والمحارث بـ "مكر حطاط"، مما صقل بنيانه وعز فيه الصبر والصلابة.
وقد منّ الله عليه بتأسيس أسرة كريمة، فكان أباً لسبعة من الأبناء (أربعة ذكور وثلاث بنات).
*ثانياً: المسيرة التعليمية*
بدأت رحلة الشهيد التعليمية في "المعلامة" عام 1968م بقرية الركب، وذلك قبل تأسيس مدرسة الشهيد حسين زين عاطف. وعقب إنشاء المدرسة، التحق بها ليواصل تعليمه الأساسي حتى عام 1974م.
ونظراً للظروف المعيشية الصعبة التي واجهت الأسرة آنذاك، لم يقف طموحه عند حدود القرية، بل انتقل إلى محافظة عدن (منطقة دار سعد) ليواصل دراسته في "مدرسة الزحف الأحمر".
*ثالثاً: الانخراط في النضال والخدمة العسكرية*
مع انطلاق الشرارات الأولى لشباب التجديد الثوري وطلائع "الجبهة القومية" في أواخر الستينات والسبعينات، كان حسين السرحي في طليعة الشباب الثائر. وحينما دعت الحاجة الوطنية لبناء قدرات عسكرية شابة لحماية الوطن:
دخول السلك العسكري (1977م): التحق بالقوات المسلحة ضمن تشكيل "اللواء الأول دفاع جوي" (المتمركّز في بئر فضل—بجوار مستشفى الريادة حالياً)، وتخصص في الشؤون الفنية.
العودة والتخصص التقني (1981م): بعد انقطاع دام عاماً لظروف خاصة، عاد إلى خدمة السلاح بنصيحة وحثّ من أخيه الأصغر، حيث التحق بوزارة الدفاع وتُقرر تحويله إلى "اللواء 30" المتمركز في مديرية لودر بمحافظة أبين. ونظراً لذكائه الفطري ونباهته، أُرسل في دورة تخصصية ليصبح مهندساً متخصصاً في محركات الديزل.
التنقلات الخدمية (1984م): تنفيذاً لخطط وزارة الدفاع الخاصة بالتنقلات الدورية بين المعسكرات كل سنتين، انتقل مع لواءه بكامل قوامه البشري إلى معسكر "حات" بمحافظة المهرة.
*رابعاً: عبقرية الميدان وشرف التكريم (عربيد الديزل)*
تميز الشهيد بذكاء فطري خارق ونبوغ واضح سواءً في مقاعد الدراسة أو في ميدان السلاح، مما جعله في مقدمة المتفوقين دائماً.
لقب "عربيد الديزل": لم يكن هذا اللقب مجرد تسمية عابرة بين رفاقه في اللواء، بل كان اعترافاً بدقته وسرعته الاستثنائية في تفكيك وإصلاح المحركات العقدة والسيارات الثقيلة.
التفوق القيادي (1981م): اختير ضمن الشباب المرشحين عن المحور الشرقي للقوات المسلحة للمشاركة في دورة مدرسة الكوادر الشبابية (أشيد) بالمكلا (محافظة حضرموت)، وحقق فيها المركز الأول مع مرتبة الشرف، ليُرشح إثر ذلك لتمثيل البلاد في دورة تدريبية بالإتحاد السوفيتي.
بطل الأزمات (1992م): في أعقاب حرب الخليج والأزمات التي تلت قيام الوحدة وتوقف التنقلات الدورية، ظهرت عبقرية الشهيد الفنية بوضوح، إذ نجح في إعادة تأهيل وإصلاح الآليات والمركبات العسكرية التي كانت خارج الخدمة وتُعتبَر إعادة إصلاحها مستحيلة بحسب المعايير الفنية ذلك الوقت.
*خامساً: مواهب متكاملة وروح رياضية*
لم تكن حياة الشيخ حسين السرحي محصورة في السلاح والمحركات فحسب، بل كان ذا أثر اجتماعي ورياضي بارز:
ؤالرياضة والقيادة: كان لاعباً وقائداً ومدرباً لفريق اللواء، وتم اختياره ضمن قوام منتخب المحور الشرقي لكرة القدم، كما أظهر مهارات عالية في كرة الطائرة، ألعاب القوى، والألعاب الذهنية كالشطرنج و"الدمنة".
المسابقات والانضباط: كان حريصاً على المشاركة والدعم في المسابقات الفكرية والتخصصية، ومنافسات الرماية بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، إضافة إلى إعداده وتدريبه للجنود والمجندين الجدد المنضمين للواء.
*سادساً: التكريمات والأوسمة*
حصد الشهيد خلال مسيرته الحافلة العديد من التكريمات، من أبرزها:
ميدالية الذكرى العاشرة للقوات المسلحة (1986م).
ميدالية التفوق العلمي من منظمة الشباب (أشيد) بمحافظة حضرموت.
عدد واسع من الشهادات التقديرية والهندسية التخصصية.
وسام الشجاعة والإقدام، الذي ناله بنيله الشهادة في ميدان الشرف.
*سابعاً: الخاتمة والارتقاء إلى علياء الخلود*
عندما دعت الحوادث، وهجمت أزمة صيف عام 1994م لغزو الجنوب وحضرموت، لم يتخلف الملازم حسين السرحي عن الواجب. ورغم وجوده في نقاط إخلاء وإصلاح العربات والآليات المصابة في الخطوط الخلفية، رفض القعود وقال كلمته الخالدة: «أنا لها!».
تقدم مع "اللواء 30" إلى منطقة "حجر" بمحافظة حضرموت، وخاض معارك شريفة ودفاعاً مستميتاً عن الأرض والكرامة، حتى ارتقت روحه الطاهرة شهيداً في 5 يونيو 1994م، لتسقي دماؤه أرض حضرموت والجنوب.
*خاتمة الكاتب*
أتقدم ببالغ الاعتذار لتاريخ هذا البطل العظيم الشيخ حسين سعيد طاهر السرحي، ولأبنائه وبناته وأسرته الكريمة إن كان في هذه السيرة القاصرة أي تقصير. وما هذا الجهد إلا محاولة لتخليد ذكرى أحد عمالقة مديرية سرار الأبطال الذين كتبوا بدمائهم أنصع صفحات التاريخ،
وسجلوا أسماءهم في سجل الخالدين بعد أن جمع بين التفوق العلمي والانضباط العسكري، والشجاعه في ميادين القتال. حتى ختم حياته شهيدا مدافعا عن وطنه وكرامه شعبه.
رحم الله الشهيد واسكنه فسيح جناته.
من كتاب (الخالدين)
للمؤلف الاستاذ/عبدالوهاب العمري