هناك أوجاع لا تُرى بالعين، لكنها تسكن الجسد والروح معًا، وهناك معاناة لا تقف عند حدود المرض نفسه، بل تمتد إلى الطريق والانتظار والإرهاق والخوف من الغد. هكذا تبدو حياة كثير من مرضى الفشل الكلوي في محافظة أبين؛ حياة يثقلها الوجع، وتضاعفها مشقة السفر، وتنهكها رحلة العلاج المتكررة إلى عدن من أجل جلسات الغسيل الكلوي.
فإلى متى سيظل مرضى الفشل الكلوي في أبين يتألمون بصمت؟ وإلى متى سيواصلون قطع المسافات الطويلة وهم في أشد حالات الضعف والإجهاد؟ وإلى متى يبقى المريض، الذي أنهكه المرض، مطالبًا بأن يصارع الطريق أيضًا؟
إن مريض الفشل الكلوي يحتاج إلى رحمة تحيط به، ورعاية تحفظ كرامته، ومنظومة صحية تُخفف عنه عبء المرض بدلًا من أن تضيف إلى ألمه ألمًا آخر. فهؤلاء المرضى يعيشون معاناة متكررة مع مواعيد الغسيل، وما يسبقها وما يليها من إنهاك جسدي شديد، ثم يجدون أنفسهم مضطرين إلى السفر من أبين إلى عدن، في رحلة ليست سهلة على إنسان سليم، فكيف بمن يخرج من جلسة غسيل أنهكته، أو يتجه إليها وهو بالكاد يستطيع الوقوف؟
ويُعد طول الطريق بالنسبة لمريض الفشل الكلوي امتحانًا قاسيًا للجسد والنفس. فهو يعني ساعات من التعب، وتكاليف إضافية، ومخاطر صحية، ومرافقة مرهقة للأهل، فضلًا عن القلق الدائم من تأخر المواعيد أو عدم القدرة على الوصول في الوقت المناسب. وهذا الواقع لا يرهق المرضى وحدهم، بل يرهق أسرهم أيضًا، ويستنزف ما تبقى لديهم من قدرة مادية ونفسية.
ومن هنا، فإن الحاجة اليوم لم تعد تحتمل التأجيل. فمحافظة أبين بحاجة ماسة إلى حلول عملية وإنسانية تنهي هذا النزيف اليومي من المعاناة. وفي مقدمة هذه الحلول توفير أجهزة غسيل كلوي داخل المحافظة، خاصة وأن أبين تمتلك مستشفى كان يُعد من أفضل المستشفيات في اليمن، الأمر الذي يستدعي إنشاء أو دعم مركز متخصص ومجهز يلبي احتياجات المرضى ويقرب لهم الخدمة العلاجية داخل محافظتهم، بدلًا من تركهم أسرى السفر والألم والانتظار.
وفي حال تعذر تنفيذ ذلك بصورة عاجلة، فإن أقل ما يمكن تقديمه لهؤلاء المرضى هو توفير وسيلة نقل مخصصة، ومنظمة، وآمنة، تتولى نقلهم إلى عدن وإعادتهم بكرامة، بعيدًا عن مشقة البحث اليومي عن المواصلات، وبما يراعي حالتهم الصحية وظروفهم الإنسانية.
إن الحديث عن مرضى الفشل الكلوي هو حديث عن آباء وأمهات، وشباب أنهكهم المرض، وأسر تذوب قلوبها كلما رأت أحباءها يتألمون دون أن تملك لهم سوى الدعاء. إنه حديث عن حق إنساني أصيل في العلاج الكريم، والرعاية القريبة، وأن يشعر المريض بأن هناك من يسمع وجعه ويعمل من أجله.
رسالتي إلى السلطة المحلية في محافظة أبين ورجال المال والأعمال
نوجه هذه الرسالة بكل رجاء إلى سيادة محافظ محافظة أبين الدكتور مختار الرباش، آملين أن تجد لديه أذنًا صاغية، وقلبًا يشعر، وقرارًا يخفف هذا الحمل الثقيل عن المرضى وأسرهم. إن أبناء أبين يحدوهم الأمل بأن تكون على يديه بادرة خير حقيقية تعيد الطمأنينة إلى قلوب المرضى، وتفتح باب الفرج أمام معاناة طال أمدها.
كما نناشد رجال المال والأعمال وأهل الخير في أبين وخارجها أن يسهموا في دعم هذه القضية الإنسانية، فالمشاركة في توفير أجهزة غسيل كلوي، أو دعم إنشاء مركز متخصص، أو الإسهام في توفير وسيلة نقل مخصصة للمرضى، يعد صدقة جارية وعملًا إنسانيًا عظيمًا يخفف عن عشرات الأسر معاناة يومية قاسية.
إن توفير أجهزة غسيل كلوي في أبين، أو اعتماد وسيلة نقل مخصصة لمرضى الفشل الكلوي إلى عدن، لم يعد خيارًا، بل ضرورة إنسانية عاجلة، وخطوة تحفظ حياة الناس وكرامتهم، وتؤكد أن المسؤولية الحقيقية تبدأ من ملامسة احتياجات الإنسان في ضعفه وألمه.
فهل آن الأوان لأن يجد مرضى الفشل الكلوي في أبين يدًا تمتد إليهم بالعون؟ وهل نرى قريبًا قرارًا يخفف عنهم وجع الطريق، ويقرّب إليهم العلاج، ويمنحهم بعضًا من الراحة التي يستحقونها؟
رحم الله ضعف المرضى، وكتب الشفاء لكل مبتلى، وجعل في قلوب المسؤولين وأهل الخير من الرحمة ما يدفعهم إلى إنصاف هؤلاء الناس، والتخفيف عنهم، وفتح باب أمل جديد لهم في أبين.
م. عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
5 يوليو 2026م