منطقة كلسام بيافع كلد، إحدى مناطق مديريات يافع، تلك المنطقة التي سكنها الرجال الأشاوس وسط الجبال الشاهقة والوعرة، حيث امتزج أبناؤها بصلابة الأرض وتاريخ الإنسان منذ عهد حِمْيَر. وهي منطقة اشتهرت بثغورها، وسكنها الأتراك قبل مئات السنين، وكانت على الدوام أرضًا للصمود والشهادة والتضحية والفداء.
رجالها لا يهابون الموت، بل غرسوا في نفوس أبنائهم معاني التضحية والوفاء والإخلاص للوطن. يحبون الموت كما يحب غيرهم الحياة، ويتسابقون إلى الجبهات والمتارس كالأسود الضارية، فيما يتسابق غيرهم إلى الفنادق والمنتزهات.
رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً. يشيعون الشهيد تلو الآخر بكل فخر واعتزاز. إنهم أولئك الرجال الأشاوس الذين تركوا مآثر بطولية نادرة منذ قديم الزمان؛ أحفاد ثاني شهداء ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م، الشهيد ناجي سعيد اليوسفي، وأول قائد لجبهة حرب التحرير أحمد زين اليوسفي، والمناضل محمد صالح الدهج اليوسفي، وأحفاد الفقيد المناضل الكبير أحمد علي عمر اليوسفي، والمناضل محمد ناجي زايد اليوسفي، أحد أوائل المشاركين في حصار السبعين يومًا، إلى جانب عدد كبير من مناضلي حرب التحرير الذين لا يتسع المجال لذكرهم جميعًا، ومنهم المناضل والسياسي البارز محسن عبد اليوسفي، وأحفاد العميد المناضل علي محمد قاسم اليوسفي، مستشار وزير الدفاع، ورجال الفقيد البطل المناضل الشيخ نصر بن علي أحمد اليوسفي، وإخوان الصحفي المخضرم العميد علي مقراط اليوسفي، وثوار الفقيد الراحل ثابت حسين المنصري، والفقيد البطل ناجي عاطف المنصري.
لقد رسموا مشروع الشهادة والنصر والثبات، وقدموا أكثر من 28 شهيدًا و60 جريحًا مع إخوانهم من أبناء المناصرة وعدد من القبائل المجاورة، وخاضوا معارك شرسة وسجلوا ملاحم بطولية منذ ستينيات القرن الماضي.
تلك المنطقة التي يقطنها نحو ثلاثة آلاف نسمة، وقدمت خيرة أبنائها دفاعًا عن الأرض والعرض والكرامة، لكنها في المقابل فقدت أبسط مقومات الحياة، حتى أصبح أبناؤها بين شهيد وجريح، في ظل إهمال السلطات المتعاقبة لهذه المنطقة. واليوم لا تزال تقدم قوافل من الدماء الزكية، وتروي بدماء أبنائها تراب الوطن الطاهر، بينما تُهمَّش قياداتها وكوادرها ومثقفوها، ويعيش أبناؤها أوضاعًا لا تليق بالبشر ولا تنسجم مع أبسط القيم الإنسانية.
إن رجال هذه المنطقة، الذين سجلوا الرقم القياسي في حجم التضحيات على مستوى مديريات يافع والجنوب عامة، ما زالوا يقدمون التضحيات الجسام، ويذودون عن تراب الوطن الغالي، شأنهم شأن المناطق المجاورة، إلا أن منطقتهم لا تزال تعيش في ظلام دامس، محرومة من أبسط الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرقات والسدود.
ومن هنا، نناشد نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الفريق أبو زرعة المحرمي، قائد القوات الجنوبية، وكذلك محافظ أبين الدكتور مختار الراباش، بالتوجيه إلى الجهات المختصة لتشكيل لجنة ميدانية لمتابعة ما يعانيه أبناء هذه المنطقة الباسلة، إلى جانب المناطق المجاورة التي حُرمت طويلًا من أبسط مقومات الحياة.
فهناك عدد كبير من مناضلي الثورة اليمنية لا تزال رواتبهم لا تتجاوز 12 ألف ريال يمني، كما يوجد عدد كبير من الجرحى الذين حُرموا من العلاج، فضلًا عن قيادات ميدانية جرى تهميشها وتركها في المنازل، رغم ما قدمته من تضحيات جسام. وهكذا يُكافأ الأبطال الذين بذلوا أرواحهم في زمن الغدر والتآمر على التضحيات.
أنصفوا أولئك الرجال الأبطال، واعلموا أنكم مسؤولون أمام الله ثم أمام التاريخ.
وتقبلوا خالص التحايا.
بقلم: أنيس شداد اليوسفي