آخر تحديث :الأحد-28 يونيو 2026-09:31م
أخبار وتقارير


منارة العلم تضيء دروب التنمية المستدامة

منارة العلم تضيء دروب التنمية المستدامة
الأحد - 28 يونيو 2026 - 08:23 م بتوقيت عدن
- أبين تايم/متابعات

احتضنت كلية العلوم بجامعة عدن، صباح اليوم الأحد الموافق 28 يونيو 2026، فعاليات اليوم العلمي المفتوح، في تظاهرة علمية عكست الدور الريادي للجامعة في نشر المعرفة، وتشجيع البحث العلمي، واحتضان الابتكار والإبداع، وترسيخ ثقافة ربط مخرجات التعليم الجامعي باحتياجات المجتمع ومتطلبات التنمية المستدامة.

وفي زمنٍ أصبحت فيه الأمم تُقاس بما تنتجه عقولها قبل ما تمتلكه من ثروات، جاء هذا اليوم العلمي ليؤكد أن الجامعات ليست مباني للدراسة فحسب، بل مصانع للأفكار، وحاضنات للابتكار، ومنارات تضيء طريق التنمية. وقد جسدت الفعالية لوحة معرفية متكاملة، جمعت بين المعارض العلمية، وورش العمل، والعروض الطلابية للمشاريع المبتكرة، واللقاءات مع الأكاديميين والخبراء، في مشهد يعكس حيوية البحث العلمي وقدرته على صناعة الحلول لمختلف التحديات.

غير أن أكثر ما لفت الانتباه لم يكن مجرد عرضٍ لمشروع أو ابتكار، بل كان تحول المعرفة إلى ممارسة، والتدريب إلى إنتاج، والفكرة إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

فقد برزت مشاركة الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة نموذجًا حيًا لنجاح الاستثمار في الإنسان، إذ عرض عدد من الشباب ثمار ما تلقوه من تدريب عام 2022 في محافظتي أبين ولحج حول إنتاج السماد العضوي (الكمبوست)، ليقدموا اليوم تجربة عملية تؤكد أن التنمية تبدأ عندما يجد العلم طريقه إلى الحقل.

إن تقنية إنتاج الكمبوست ليست مجرد وسيلة للتخلص من المخلفات الزراعية والحيوانية، بل هي أحد أهم تطبيقات الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إعادة تدوير الموارد وتحويل النفايات إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية وبيئية. فمن خلال عمليات التحلل الحيوي المنضبط بواسطة الكائنات الدقيقة، تتحول المخلفات العضوية إلى سماد غني بالعناصر الغذائية، يعمل على تحسين بنية التربة، وزيادة محتواها من المادة العضوية، ورفع قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، وتنشيط الكائنات الحية الدقيقة النافعة، مما ينعكس بصورة مباشرة على زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين جودة المحاصيل.

كما أسهم هذا المشروع في الحد من ظاهرة حرق المخلفات الزراعية، وهي ممارسة تتسبب في انبعاث الغازات الملوثة، وإهدار مورد كان يمكن الاستفادة منه اقتصاديًا، فضلًا عن آثارها السلبية في صحة الإنسان والتربة والبيئة.

والأجمل من ذلك أن هذه المبادرات نجحت في توفير ملايين الريالات التي كانت تُنفق على شراء الأسمدة الكيميائية، والتي أثبتت الدراسات أن الإفراط في استخدامها يؤدي إلى تدهور خصوبة التربة، وتلوث المياه الجوفية، والإضرار بالتنوع الحيوي، فضلًا عن انعكاساتها الصحية والبيئية على الإنسان والحيوان.

ولا تقف طموحات الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة عند هذا الإنجاز، بل تمتد إلى رؤية تنموية أوسع من خلال حزمة من المشاريع العلمية الواعدة التي تنتظر الدعم والتمويل لتتحول إلى واقع يخدم المجتمع والقطاع الزراعي. ومن أبرز هذه المشاريع: زراعة الأزولا بوصفها مصدرًا طبيعيًا غنيًا للأعلاف، وإنتاج السماد السمكي للاستفادة من المخلفات السمكية وتحويلها إلى أسمدة عضوية عالية الكفاءة، والزراعة المائية التي تمثل أحد الحلول الحديثة لمواجهة شح المياه، والزراعة المنزلية لتعزيز الأمن الغذائي للأسر، وإنتاج المبيدات الطبيعية الصديقة للبيئة للحد من الاعتماد على المبيدات الكيميائية، إضافة إلى إنتاج الفحم الحيوي من أشجار المسكيت ضمن برامج مكافحة هذه الشجرة الغازية والاستفادة منها اقتصاديًا، بما يسهم في حماية الأراضي الزراعية، والحد من انتشار المسكيت، وخلق فرص عمل جديدة، وتحويل التحديات البيئية إلى فرص استثمارية وتنموية.

إن هذه المشاريع تمثل نموذجًا متكاملًا للبحث العلمي التطبيقي، الذي يربط بين حماية البيئة، وتحقيق الأمن الغذائي، وخفض تكاليف الإنتاج، وتعزيز الاقتصاد الوطني، بما ينسجم مع مبادئ التنمية المستدامة التي أصبح العالم يتجه إليها اليوم.

إن هذه التجربة تؤكد حقيقة علمية مهمة، وهي أن البحث العلمي لا تكتمل رسالته داخل المختبرات وقاعات المحاضرات، وإنما عندما يتحول إلى مشاريع تنموية تخدم المجتمع، وتدعم الاقتصاد، وتحافظ على البيئة، وتوفر فرص عمل للشباب.

تحية لكل جامعة تجعل من العلم رسالة، ولكل باحث يؤمن بأن المعرفة مسؤولية، ولكل شاب استثمر فرصة التدريب حتى أصبح نموذجًا للإنتاج والابتكار، ولكل مؤسسة تؤمن بأن بناء الأوطان يبدأ من دعم العلم وتطبيق نتائجه على أرض الواقع. فالأوطان لا تبنيها الأمنيات، وإنما تبنيها العقول التي تحسن التفكير، والأيدي التي تحسن العمل، والإرادة التي تؤمن بأن المستقبل يبدأ بفكرة، ثم يتحول بالعلم إلى إنجاز، وبالابتكار إلى تنمية، وبالإرادة إلى وطن أكثر ازدهارًا.

م. عبدالقادر خضر السميطي

دلتا أبين

28 يونيو 2026م