ليست هذه مجرد أشجار يابسة نقف أمامها، بل صفحات من تاريخ اليمن تُطوى بصمت، وإرث عريق يذبل أمام أعيننا دون أن تمتد إليه يد الإنقاذ.
خلال زيارتي إلى مديرية سباح بمحافظة أبين لتفقد المحميات الزراعية المائية، كان المشهد أكثر إيلامًا مما تستطيع الكلمات وصفه. حقول كاملة من أشجار البن، كان يفترض أن تستقبل هذا الموسم بثوبها الأخضر وأغصانها المثقلة بالثمار، تحولت إلى أكوام من الحطب اليابس بعد أن التهمها الجفاف وأرهقها الإهمال.
إنها شجرة البن، الشجرة التي لم تكن يومًا مجرد محصول زراعي، بل كانت عنوانًا للهوية، ورمزًا للأرض، وذاكرة متجذرة في وجدان الإنسان اليمني. منها عاش الآباء والأجداد، وعلى خيرها بُنيت البيوت، وتعلم الأبناء، واستقرت حياة آلاف الأسر التي جعلت من البن مصدر رزقها الوحيد.
واليوم تقف هذه الشجرة شامخة بجذوعها، لكنها فقدت روحها. ولم تعد الحقول التي كانت تسر الناظرين سوى هياكل صامتة تحكي قصة عطش طويل، وجفاف قاس، وتغيرات مناخية، وغياب للحلول، حتى أصبحت المزارع التي كانت تنبض بالحياة أثرًا بعد عين.
إن موت أشجار البن لا يعني خسارة محصول موسم واحد فحسب، بل يعني انهيار مصدر دخل، وضياع سنوات من التعب، وتراجع اقتصاد الأسر الريفية، واندثار إرث زراعي وثقافي يمتد لمئات السنين. إنها كارثة اقتصادية وبيئية وإنسانية تهدد أحد أهم الكنوز الزراعية في أبين واليمن بأكمله.
نداء إلى أصحاب القرار
إلى وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، ووزارة المياه والبيئة، والسلطة المحلية، والمنظمات الدولية والمحلية المعنية بالتنمية المستدامة.
إن الصور التي نشاهدها ليست لأشجار ماتت فحسب، بل هي جرس إنذار يدق بقوة معلنًا أن أحد أهم مصادر الدخل، وإرثًا حضاريًا عظيمًا، يوشك على الزوال.
إنقاذ البن لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة وطنية تستوجب تحركًا عاجلًا من خلال:
إنشاء السدود والحواجز المائية، وتوسيع مشاريع حصاد مياه الأمطار.
دعم تقنيات الري الحديث الموفرة للمياه.
دراسة إمكانية الاستفادة من تقنيات الاستمطار حيثما تكون مناسبة علميًا.
إعادة تأهيل المدرجات الزراعية وتهذيب مجاري الأودية.
تقديم دعم مالي وفني عاجل للمزارعين لإنقاذ ما تبقى من أشجار البن، وإعادة زراعة ما فُقد منها.
إن إنقاذ شجرة البن هو إنقاذ للإنسان، وللتاريخ، وللهوية، وللاقتصاد، وللبيئة. إنه حفاظ على إرث تركه لنا الأجداد أمانة في أعناقنا، وليس من الوفاء أن نسمح له بأن يموت بصمت.
فهل نتحرك اليوم قبل أن تتحول الجبال والوديان التي أنجبت البن إلى أرض قاحلة لا ظل فيها ولا حياة؟
كتبه: المهندس محمد طاهر السعيدي
أبين - رصد