كتب/ ناصر الجريري
في هذا الزمان والوقت الحاضر والمتقدم، نجد أن الموازين قد انقلبت؛ حيث نرى أن العديد من حكومات الدول العربية والإقليمية تواكب عملية التطور لبلدانها في شتى المجالات ساعة بساعة ولحظة بلحظة، وتعمل من أجل رفاهية شعوبها وراحة الأجيال القادمة. كذلك الحال بالنسبة للدول العظمى الغربية والأوروبية المتحضرة؛ على سبيل المثال، قد جعلت هناك يوماً أسمته بعض هذه الدول بـ "اليوم المئوي"، تطفئ فيه الكهرباء—لا نقول ليوم أو لساعات بل لنصف دقيقة فقط—تحتفل فيه وشعوبها بهذا الانقطاع لثوانٍ معدودة، تذكيراً ورمزاً إلى قوة ما وصلت إليه تلك الدول المتحضرة من التطور وحياة الرفاهية لمواطنيها وسكانها الذين يبلغ عددهم مئات الملايين، وفي شتى مجالات البنى التحتية المتطورة، ولم تحتكر يوماً هذا التطور لنفسها أو لخدمة مصالح وعلاقات شخصية قط.
وبالمقارنة مع ما وصلت إليه الحكومات سالفة الذكر، ومع ما أوصلتنا إليه حكومتنا اليوم، نجد أن الفرق والبون شاسع جداً بين العقول التي تشتغل وتعمل لبلدانها في تلك الدول، وبين العقول لدينا في هذا البلد! ففي بلدي، يعيش المواطن واقعاً أليماً ومعاناة كبيرة مع خدمة الكهرباء التي هي "حدث ولا حرج"، هذا ناهيك عن بقية الخدمات الأخرى المغيبة من خريطة ومصفوفة الخدمات التي من المفترض أن تقدمها حكومتنا لهذا المواطن.
المهم أن المواطن تعايش مع هذا الواقع المرير لسنوات على أمل أن تغير الحكومة من سياستها تجاه ملف الكهرباء وغيره من الملفات، عبر تقديم حلول ومعالجات جذرية تنهي هذه المشكلة وتريح المواطن من همّها ومعاناتها في كل صيف، لكن هذا الأمل الذي تعلق به المواطن المسكين يتبخر ويذهب هباءً منثوراً مع دخول حر الصيف الشديد في كل عام.
عشر سنوات من التحرر وعشرات المنح النفطية والمازوت المقدمة لمحطات الكهرباء المخصصة للمحافظات المحررة كدعم ومنح من المملكة العربية السعودية—وكان آخرها ما وصل قبل أسابيع أو أيام من تلك المخصصات النفطية—لكن لأسف الشديد لا ندري أين ذهبت تلك المنحة؛ لأنه لم يلمس المواطن أي تحسن ملحوظ في خدمة الكهرباء، خاصة وأن الحر الشديد هذا العام قد بلغ مبلغاً يعاني منه الصغير والكبير، والعاجز والمريض، بل حتى مراكز الامتحانات الوزارية لطلاب المرحلة الثانوية لم يسلموا هم الآخرون من أجواء الصيف الحار، إلى جانب الحالة النفسية المصاحبة للامتحانات نفسها.
وتماشياً مع هكذا وضع، تزايدت الدعوات للخروج ومطالبة الحكومة والسلطات المحلية بحل جذري أو حتى مؤقت لمشكلة انقطاع الكهرباء عن المحافظات المحررة مع اشتداد حر الصيف هذا العام، ومع ذلك كله، لا بوادر تلوح في الأفق تبشر بانفراجة ولو بسيطة لهذه المشكلة مع كل هذه المطالبات.
لذلك، ننشد وندعو الحكومة اليوم لتلبية مطالب الشارع والمواطن الحقوقية، وذلك بالمبادرة والمسارعة في اتخاذ الإجراءات اللازمة التي تعمل على تحسين الخدمة في هذه الأيام؛ لما لها من أهمية في تسيير الأمور الحياتية للناس، من خلال القيام بضخ المنحة المقدمة من المملكة لجميع محطات التوليد في مختلف المحافظات المحررة، من أجل التخفيف عن المواطن والحد من عدد ساعات الانطفاء التي وصلت هذه الأيام إلى أكثر من عشر ساعات تقريباً أو يزيد.
ونأمل في الأخير أن تصل دعوتنا ومطلبنا هذا إلى آذان أمينة في الحكومة تلبي هذه المطالب، وترأف بحال المواطن وتحس بما يحس به ولو بذرة من المسؤولية الوطنية تجاه هذه المعاناة، وإلا فما فائدة تلك الآذان والقلوب القابعة على الكراسي إن كانت لا تعي أو ترأف بحال مواطنيها، وتقف معهم بمسؤولية ووطنية، وتقوم على خدمتهم وتسهر لراحتهم؟!
والله من وراء القصد.