آخر تحديث :الخميس-28 مايو 2026-05:49م

الفجوة بين القصور والجحور هي ما يمنع المسؤول عن الشعور

الخميس - 28 مايو 2026 - الساعة 03:12 م

مروان الشاطري
بقلم: مروان الشاطري
- ارشيف الكاتب

الطقس في أحياء المدينة لا يرحم، والرطوبة تكتم الأنفاس كأنها غطاء ثقيل أُلقي فوق المدينة المنكوبة بالنسيان. وفي حارة متفرعة من المدينة، كان العم "سالم" يقلّب جسد طفلته الصغيرة "أمل" المستلقية على حصير متهالك، ويمسح جبينها بخرقة مبللة لعلها تطفئ لهيب الحمى التي افترست جسدها النحيل.

في الخارج، كانت الكهرباء قد انقطعت منذ عشر ساعات متواصلة، وتحولت غرفته الضيقة، التي تشبه الجحر الرطب، إلى فرن بشري حقيقي. نظر سالم إلى الروشتة الطبية المجعدة في يده، ثم إلى بضعة مئات من الريالات اليمنية المتآكلة التي لم تعد تشتري اليوم حتى نصف كيس من الدقيق، وشعر بغصة تخنقه. فبينما يزداد التضخم كل صباح، وتنهار معه تفاصيل حياته، تصله أخبار المسؤولين الذين يتنقلون بين الفلل المحصنة في أرقى الأحياء خلف الكتل الخرسانية، أو يتابعون الوضع عبر شاشات هواتفهم من شققهم الفاخرة في عواصم الشتات، حيث المكيفات لا تتوقف والرواتب تتدفق بالعملة الصعبة.

هذه الفجوة الساحقة بين القصور والجحور هي بالتحديد ما يمنع المسؤول عن الشعور؛ إذ كيف لمن ينام على الحرير المصقول، ويتنقل بموكب مدرع عازل للصوت، أن يدرك معنى الأنين الصامت في بيوت الفقراء؟

لم تكن مأساة سالم معزولة، بل كانت صدى لوجع ممتد عبر القرى والمدن المنسية في المحافظات الجنوبية. هناك تنام أسر بأكملها في عشش من الطين لا تقي حراً ولا برداً، وتعود الأمهات بجرار المياه الملوثة على ظهورهن، بينما تطارد حمى الضنك والأوبئة أطفالهن، في ظل غياب أبسط مقومات الرعاية الصحية أو التأمين الطبي.

لقد تحول المواطن الجنوبي في المحافظات الجنوبية من إنسان ذي كرامة وطموح إلى مجرد ورقة سياسية، ومادة للمزايدة في الخطابات الرسمية، أو ملف استجابة إنسانية يستعرضه المسؤولون في الفنادق الفخمة لجلب المنح التي تتبخر قبل أن تصل إلى مستحقيها.

وبينما كان سالم يخرج إلى أزقة المدينة الغارقة في الظلام بحثاً عن مستوصف خيري يقبل علاج طفلته دون مقابل، كان يرى من بعيد وميض المولدات الضخمة التي تضيء منازل ومربعات القادة والمسؤولين من مختلف الأطراف.

في تلك اللحظة تجلت البلادة في أقصى صورها؛ فالمسؤول الذي يجلس خلف تكييفه المركزي لديه متسع من الوقت لتقاسم النفوذ والمناصب، وإصدار بيانات التنديد والمناكفات السياسية، بينما يموت الموظف والتربوي كمداً، ويصبح حتى السمك المستخرج من البحر عصياً على موائد الفقراء.

إن هذا الصبر الأسطوري لأبناء المحافظات الجنوبية ليس صك غفران لأصحاب القصور. والتاريخ يعلمنا أن الناس قد يحتملون الجوع، لكنهم لا يحتملون المهانة، ولا رؤية قادتهم يتنعمون بأوجاعهم. فالقصور التي تُشيّد وتُؤثث من عرق وجوع أهل الجحور، هي قصور واهية من رمل، ولن تحمي أصحابها إلى الأبد.

عاد سالم إلى جحره الصغير يحمل طفلته التي هدأت حركتها أخيراً، ليس لأن الحمى تراجعت، بل لأن جسدها الضعيف استسلم للإنهاك. وجلس في العتمة يتأمل جدران غرفته المتشققة، بانتظار فجر جديد لا يحمل في طياته سوى المزيد من الغلاء والانهيار.

ستبقى تلك القصور والفلل الفارهة، في الداخل والخارج، وصمة عار مكتوبة بمداد من قهر الرجال وعيون الأطفال المطفأة، ما دام هناك طفل في مدننا يرتجف من الحر أو يموت جوعاً ومرضاً، وأب يعود مكسور العينين، وأسرة تنام بلا عشاء.

فالمسؤول الذي تمنعه امتيازاته وحياته المخملية من الشعور بأنات شعبه، قد أسقط عن نفسه كل شرعية أخلاقية؛ لأن من لا يتقاسم مع الناس وجع العيش، لا يحق له يوماً أن يتحدث باسمهم أو يدّعي تمثيلهم