تعلّمنا الحياة أن الأحلام لا تتحقق بالعاطفة وحدها، مهما كانت صادقة ونبيلة. فالمشاعر قد تكون الشرارة الأولى، لكنها لا تكفي لإضاءة الطريق حتى نهايته. إذ تبقى الأهداف بحاجة إلى أرضٍ صلبة تقوم عليها، من وعيٍ ناضج، وتخطيطٍ واضح، وعوامل داخلية وخارجية تتهيأ معًا لتمنح الفكرة فرصة التحوّل إلى واقع. وبدون هذا التوازن، تظل الطموحات معلّقة بين الأمل والانتظار؛ جميلة في معناها، لكنها بعيدة عن التحقيق.
وعندما ننتقل إلى عالم السياسة، تتجلّى هذه الحقيقة بصورة أوضح. فالعلاقات بين الدول لا تُدار بالعاطفة، بل تحكمها المصالح قبل كل شيء، حيث لا مكان للمجاملات الدائمة، ولا للولاءات الثابتة. فالدول لا تتحرك بدافع الحب أو الكراهية، بل وفق ما يخدم مصالحها ويحفظ توازنها.
ومن هنا نفهم كيف يمكن أن يتحوّل العدو إلى صديق، والصديق إلى خصم، في فترات زمنية قصيرة. فالمواقف السياسية ليست أحكامًا أبدية، بل ترتبط بظروفٍ متغيّرة، ومعادلاتٍ تتبدّل باستمرار. ومن يُجيد قراءة هذه التحوّلات، ويتعامل مع المصالح بمرونة وذكاء، يكون أقدر على تجنّب الخسائر، وحماية نفسه وبلده من الوقوع في صراعاتٍ غير محسوبة.
وفي هذا السياق، تبرز حكمة بسيطة لكنها عميقة: إذا لم تستطع كسب طرفٍ ما، فحاول على الأقل تحييده، ولا تدفعه ليصبح عدوًا لك. فليس كل انتصار يتحقق بالمواجهة، وليس كل تراجع يُعد خسارة. أحيانًا، يكون تقليل الخصوم هو المكسب الحقيقي. وليس من العقل والحكمة أن تخلق لنفسك أعداء، أو أن توسّع جبهة خصومك، خصوصًا لمن هو في وضعٍ هشّ ولم يشتد عوده بعد.
عميد/ صالح قحطان المحرمي
30 أبريل 2026م
ملحوظة:
هذا المقال امتداد لمقال نُشر في 16 يناير 2026م بعنوان:
(قراءة في الشعارات العاطفية وفن الممكن).