في محافظة أبين، كانت الأرض تنبض بالحياة، وكانت الحقول تمتد كلوحة خضراء تعانق الأفق. لم تكن الزراعة مجرد مهنة، بل منظومة متكاملة تقوم على خمسة أعمدة لا تستقيم بدونها: البحث، والإرشاد، والوقاية، والري، والمزارع… ذلك العنصر الحي الذي يمنح هذه المنظومة معناها الحقيقي، ويحوّل العلم إلى إنتاج، والمعرفة إلى غذاء، والعمل إلى حياة.
وهكذا لخصها كبار الباحثين، وهكذا عاشت أبين عصرها الذهبي منذ سبعينيات القرن الماضي، حين كانت الزراعة علمًا يُمارس على الأرض، لا مجرد نظريات تُكتب في التقارير.
في محاضرة علمية قيّمة ألقاها المهندس أحمد سالم الغاز، أحد كبار الباحثين في قسم المحاصيل الحقلية بمحطة البحوث الزراعية بالكود، في قاعة مركز التدريب الزراعي بجعار، وبحضور مدير المعهد التقني الزراعي المهندس مبارك بابصيلي، ومدير مركز الإرشاد الزراعي بأبين المهندس باسم عقيل الحيدري، تم استعراض تاريخ الإرشاد الزراعي. ولم يكن العرض مجرد سرد للأحداث، بل كان مرآة تعكس الفارق المؤلم بين ماضٍ مزدهر وحاضر يعاني التهميش والإهمال.
العصر الذهبي… حين كانت الزراعة علمًا يُمارس
في تلك السنوات، لم يكن الإرشاد الزراعي مجرد وظيفة، بل رسالة وطنية.
كان مركز الإرشاد يعج بالحياة؛ تتوافد إليه وفود المزارعين، وتُعقد فيه الدورات التدريبية، ويتخرج منه عشرات المرشدين المؤهلين، بينما يتلقى مئات المزارعين تدريبًا عمليًا ينعكس مباشرة على إنتاجهم وجودة محاصيلهم.
كان المرشد الزراعي عين الباحث في الميدان، ولسان العلم بين المزارعين، وكانت المعرفة تصل إلى الأرض قبل البذور. لذلك ازدهرت الزراعة وارتفع الإنتاج، لأن العلم كان حاضرًا في قلب الحقل.
ولا يمكن إنكار أن جهاز الإرشاد الزراعي والتدريب في أبين، في ذلك الزمن، كان يصل أثره إلى مختلف محافظات الجمهورية الواقعة ضمن المحافظات الجنوبية، حيث كانت الخبرات تُنقل، والدورات تُعمّم، والكوادر تُؤهّل، لتنعكس نتائجها على شتى المناطق الزراعية، مما جعل أبين مركزًا إشعاعيًا للمعرفة الزراعية على نطاق واسع.
الحاضر المؤلم… حين يُترك الإرشاد وحيدًا
اليوم تغيّرت الصورة بشكل صادم.
مراكز الإرشاد الزراعي في أبين، التي كانت يومًا منارات علم، تعاني إهمالًا شديدًا يكاد يخرجها من الخدمة.
لا مكاتب، لا كراسٍ، لا وسائل تعليمية، لا مطبوعات إرشادية، ولا حتى أبسط مقومات العمل… حتى المروحة التي تخفف حرارة المكان معطلة.
أما الكادر، فلم يتبقَّ منه سوى عدد محدود لا يتجاوز أصابع اليد، يعتمد في كثير من الأحيان على متطوعين من الخريجين الجدد، يعملون بروح عالية، لكن بلا دعم أو أدوات تمكّنهم من أداء رسالتهم كما ينبغي.
مفارقة موجعة… دعم بلا أثر
ورغم تدفق العديد من المنظمات إلى أبين، فإن الإرشاد الزراعي — وهو القلب النابض لأي نهضة زراعية — لم ينل نصيبه من هذا الدعم.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كيف تُضخ الأموال في مشاريع زراعية، بينما يُترك من يوجّه هذه المشاريع بلا أدوات؟
الإرشاد الزراعي… ضرورة حتمية
الإرشاد الزراعي ليس نشاطًا ثانويًا، بل هو العمود الفقري لأي تنمية زراعية حقيقية، فهو الذي:
ينقل نتائج البحوث من المختبر إلى الحقل
يرفع كفاءة المزارع
يقلل الخسائر
ويسهم في تحقيق الأمن الغذائي
وبدونه تصبح الزراعة اجتهادات فردية معرضة للفشل، مهما توفرت الإمكانيات.
الحل يبدأ من هنا… إعادة الاعتبار للإرشاد
إن إنقاذ الزراعة في أبين يبدأ من إنقاذ الإرشاد الزراعي، وذلك عبر:
إعادة تأهيل مراكز الإرشاد وتوفير أبسط التجهيزات الأساسية
دعم الكوادر الإرشادية ماديًا ومعنويًا
توفير وسائل التعليم والإرشاد الحديثة
دمج الإرشاد الزراعي مع التدريب الزراعي كما كان في السابق
توجيه دعم المنظمات نحو بناء القدرات الإرشادية، لا الاكتفاء بالمشاريع الصغيرة فقط
رسالة إلى المسؤولين
هذه ليست شكوى… بل نداء.
أبين التي كانت سلة غذاء تستحق أن تعود كذلك، والمرشد الزراعي الذي كان يومًا صانع الفرق يستحق أن يعود إلى مكانه الطبيعي.
أصلحوا الإرشاد… تصلح الزراعة.
ادعموا المرشد… ينهض المزارع.
وإذا نهض المزارع… نهض الوطن.
م. عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
23 أبريل 2026م