في ظل التحديات المتعددة التي تواجه مجتمعاتنا اليوم، تبرز ظاهرة المناطقية كواحدة من أخطر الممارسات الاجتماعية التي تنخر في جسد الوطن بصمت، وتغذّي الانقسام، وتؤسس لبيئة مليئة بالكراهية والبغضاء بين أبناء المجتمع الواحد.
المناطقية ليست مجرد انتماء جغرافي أو اعتزاز بالأصل، بل تتحول إلى سلوك سلبي عندما تُستخدم أداةً للتمييز والتفريق بين الناس، أو وسيلةً لإقصاء الآخر والتشكيك في وطنيته. فهي في جوهرها صورة من صور العنصرية والتحزّب الضيق، القائم على القبيلة أو المنطقة، بعيدًا عن مفهوم الدولة الجامعة التي تحتضن الجميع دون استثناء.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تنزلق نحو الخطاب المناطقي تفقد تدريجيًا قدرتها على التماسك، وتتحول إلى كيانات متناحرة يسهل اختراقها وإضعافها. فبدلًا من توحيد الجهود لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ينشغل الناس بصراعات جانبية لا طائل منها، لا تخدم إلا الفوضى وتؤدي إلى مزيد من التراجع والتخلف.
ومما يؤسف له أن الخطاب المناطقي قد تصاعد في الآونة الأخيرة، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح البعض يتبادل الاتهامات والتخوين والشتائم، في مشهد يعكس حالة من الاحتقان غير المبرر. وهذا السلوك لا يعبر عن قوة أو وعي، بل هو مؤشر خطير على تآكل القيم الوطنية الجامعة.
إن الاستمرار في هذا النهج لن يقود إلا إلى التهلكة، وإلى إشعال فتنة نحن في غنى عنها، خصوصًا في ظل الظروف التي تتطلب منا التكاتف والتلاحم لا التفرقة والتناحر. فالوطن أكبر من الجميع، ويتسع لكل أبنائه، ولا يمكن أن يُبنى إلا بسواعد موحّدة تؤمن بالشراكة لا بالإقصاء.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع: أفرادًا، وكتّابًا، وإعلاميين، ومؤثرين، ومشائخ، ورجال أعمال، في نبذ هذا الخطاب، والعمل على تعزيز قيم المواطنة المتساوية، واحترام التنوع، وترسيخ مبدأ أن الجميع سواسية في الحقوق والواجبات.
فلنجعل من انتمائنا للوطن الهوية الأسمى، ولنعمل على بناء مجتمع قائم على الأخوة والتسامح، بعيدًا عن المناكفات والصراعات الضيقة. فالمستقبل لا يُصنع إلا بالتكاتف، ولا يُحمى إلا بالوعي.
رسالتي للجميع…
إلى كل من يفكر في اتخاذ المناطقية طريقًا للشهرة، أو وسيلةً لإثارة الفتنة، أو للحصول على الإعجابات: تذكّر دائمًا أن الكلمة مسؤولية، وأن ما تزرعه اليوم من فرقة بين الناس ستحصده غدًا واقعًا مؤلمًا يطال الجميع دون استثناء.
الوطن أمانة، فكونوا على قدر هذه الأمانة، واحترموا — على الأقل — هذا الشهر الفضيل الذي ينبغي أن نكون فيه متراحمين ومتكاتفين، ونساعد بعضنا بعضًا.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين
الاثنين 23 فبراير 2026م