في الوقت الذي أنهكت فيه الحرب جنوب اليمن وأكلت الأخضر واليابس، يجد المواطن نفسه اليوم أمام معركة من نوع آخر؛ معركة الاقتصاد، ومعركة العملة، ومعركة البقاء اليومي. حرب فُرضت على الناس لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولم يجنِ منها المواطن سوى القتل والدمار والتشريد وضياع سبل العيش.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح:
ماذا يُراد من المواطن بعد كل هذا؟
نحن أمام واقع اقتصادي خانق يتجسد في حصار مالي غير معلن، واضطراب حاد في السياسات النقدية، وتلاعب بأسعار الصرف، وغياب واضح للرقابة على أسعار السلع الأساسية. المواطن يسمع كل يوم تسعيرة جديدة، ويرى واقعًا مختلفًا في الأسواق، بينما الجهات المسؤولة تلوذ بالصمت أو تكتفي ببيانات لا تنعكس على أرض الواقع.
رمضان على الأبواب، وحال الناس لا يسر عدوًا ولا صديقًا.
رواتب متآكلة، وقدرة شرائية منهارة، وقيود مفروضة على عمليات الصرف والتحويل، حتى أصبح الحصول على النقد المحلي معاناة بحد ذاته. يُقال للناس: لا تصرفوا أكثر من مئة ريال سعودي، وتُقيَّد المعاملات، ويُدفع المواطن دفعًا نحو التعاملات الإلكترونية دون تهيئة بنية تحتية حقيقية تضمن الثقة والاستقرار.
لقد أصبح المثل الشعبي «اخزن سوس ولا تخزن فلوس» تعبيرًا مؤلمًا عن فقدان الثقة في العملة الوطنية. والمفارقة أن العملات الأجنبية متوفرة في السوق، بينما العملة المحلية — رمز السيادة والاقتصاد الوطني — تعاني من شُح غير مفهوم، حتى غدا الريال اليمني حديث المجالس، لا باعتباره عملة مستقرة، بل بوصفه أزمة قائمة بذاتها.
فما الذي يحدث فعلاً؟
وأين دور المؤسسات النقدية والرقابية؟
وما وظيفة المسؤول إن لم تكن حماية الاقتصاد الوطني وصون كرامة المواطن المعيشية؟
إن أي دولة لا تستطيع ضبط سوق الصرف، ولا حماية عملتها، ولا فرض التزام حقيقي بالتسعيرة الرسمية، إنما تفتح الباب للفوضى والمضاربة وتآكل ما تبقى من ثقة المجتمع بالدولة ومؤسساتها. والمسؤولية هنا ليست فنية فقط، بل أخلاقية ووطنية.
المواطن في جنوب اليمن اليوم لا يطلب المستحيل…
لا يطلب رفاهية ولا امتيازات خاصة، بل يطلب حقًا طبيعيًا في الأمن الاقتصادي، واستقرار العملة، ووضوح السياسات، وعدالة الرقابة. يطلب أن يشعر أن هناك دولة تحميه، لا إجراءات تزيد قلقه، ولا قرارات مفاجئة تربك حياته اليومية.
إن استمرار هذا الوضع دون شفافية ومصارحة وإصلاح حقيقي سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان الاجتماعي، ومزيد من فقدان الثقة.
والتاريخ علمنا أن الأزمات الاقتصادية، إذا لم تُدار بحكمة، تتحول إلى أزمات سياسية واجتماعية عميقة.
اتقوا الله في هذا الشعب الذي صبر طويلًا.
فالسلطة تكليف لا تشريف، والمسؤولية أمانة، والظلم — أيًّا كان شكله — عواقبه وخيمة.
إن المطلوب اليوم ليس خطابات، بل خطوات عملية واضحة:
ضبط سوق الصرف بآليات حقيقية لا شكلية.
ضمان توفر السيولة المحلية دون قيود تعسفية.
فرض رقابة صارمة على الأسعار.
تقديم مصارحة شفافة للشعب حول الواقع وخطط المعالجة.
فالشعب اليمني، رغم كل ما مرّ به، شعب طيب وصابر، لكنه يستحق أن يعيش بأمن وأمان وسلام، لا أن يُترك فريسة للفوضى النقدية والضغوط المعيشية.
حسبنا الله ونعم الوكيل.
عبدالقادر السميطي
دلتا أبين – 16 فبراير 2026م