آخر تحديث :الثلاثاء-10 فبراير 2026-12:42ص
وثائقيات


الوالد المرحوم محمد عمر...صوت السحور الذي لا يغيب

الوالد المرحوم محمد عمر...صوت السحور الذي لا يغيب
الإثنين - 09 فبراير 2026 - 07:29 ص بتوقيت عدن
- أبين تايم/خاص

كتب/الخضر هيثم

كان الوالد المرحوم محمد عمر، مؤذّن القرية في قرى لودر – أبين، أكثر من مجرد رجلٍ يرفع الأذان؛ كان صوتًا تسكنه الروح، وعلامةً لا يكتمل شهر رمضان إلا بحضوره. ما إن يُعلن عن ثبوت هلال رمضان في آخر يوم من شعبان، حتى تدرك القرى أن أيامًا مباركة قد بدأت، لأن محمد عمر سيعود إلى عادته التي أحبها الناس وانتظروها عامًا بعد عام.

في ساعات السحر، حين يلف الصمت البيوت الطينية، وتنام الطرقات الريفية على هدوء عميق، كان ينهض من فراشه بقلبٍ عامر بالإيمان. يخرج من بيته متجهًا إلى مسجد المنطقة، قاطعًا مسافة تقارب نصف كيلومتر، يمشيها بخطوات ثابتة، لا يثنيه ظلام الليل ولا تعب الجسد. كان يعرف الطريق كما يعرف نداؤه، وكأن بينه وبين المسجد عهدًا لا ينقطع.

وحين يصل، يمسك مكبرات الصوت، ويرفع صوته بنداءٍ صار جزءًا من ذاكرة المكان:

"سحورك يا صائم"

لم يكن ذلك مجرد تنبيه للسحور، بل نداءً يوقظ القلوب قبل الأجساد، يحمل في نبرته حنان الأب وصدق المؤذّن. كان صوته يصل إلى البيوت البعيدة، فيطمئن الناس أن رمضان حاضر، وأن الخير ما زال يسري في القرية.

بعد أن يتم مهمته، يعود إلى بيته ليتناول سحوره المتواضع، ثم لا يلبث أن يستعد للعودة مرة أخرى إلى المسجد. ومع الأذان الأول، يصدح صوته مجددًا، صافيًا خاشعًا، كأن الفجر لا يطلع إلا به. يبقى في المسجد إلى ما بعد صلاة الفجر، يذكر الله ويؤدي عبادته في سكينة ورضا.

ظل محمد عمر على هذه الوتيرة طوال شهر رمضان، لا يطلب جزاءً ولا شكورًا، وإنما يفعل ذلك حبًا في العبادة ووفاءً لدوره الذي جعله جزءًا من حياة الناس. واليوم، بعد رحيله، خفت الصوت الذي ألفته القرى، لكن أثره باقٍ في القلوب. ما زالت الطرقات التي مشى فيها تفتقد خطواته، وما زال كل فجر رمضاني يحمل دعاءً صادقًا وذكرى لا تُنسى.

رحمك الله يا من أيقظتنا للسحور، وما زلت توقظ فينا روح رمضان وذكراه الجميلة.